الحلقة الأولى: الماء اليوم مختلف
ملاحظة للقارئ:
هذه رواية أدبية، لكنها تنطلق من عالم حقيقي. الأحداث والشخصيات والحوار من نسج الخيال، أما الجغرافيا والتاريخ والظواهر المناخية والمفاهيم العلمية التي تظهر في الحكاية، فهي مستندةٌ إلى المعرفة العلمية والوقائع التاريخية الموثقة.
لن نتحدث عن المناخ هنا كما يُتحدث عنه في الكتب المدرسية. سنراه كما يراه الإنسان في الماء الذي يشربه، والهواء الذي يتنفسه، والأرض التي يزرعها، والمطر الذي ينتظره، والحرارة التي يشعر بها، والأشجار التي يفقدها، والمدينة التي يحبها.
فالمناخ في هذه الحكاية ليس خلفيةً للأحداث...
إنه إحدى شخصياتها، ورابما كان أكثرها صمتًا.
---
في جوبا، كان الصباح يصل ببطء.
لم تكن المدينة تستيقظ دفعة واحدة. كانت تفتح عينيها على مراحل؛ صوت محركٍ قديم يبدأ العمل، باب خشبي يُفتح، امرأة تكنس أمام بيتها، خطوات متعجلة في الطريق، ثم أصوات أكثر ارتفاعًا تأتي من السوق مع ارتفاع الشمس.
وكان النيل الأبيض يمضي بمحاذاة المدينة كما لو أنه لا يعنيه شيء مما يحدث فوق الأرض.
كان الماء يعرف طريقه...
أما الناس، فلم يكونوا متأكدين دائمًا من طريقهم.
كان ذلك أواخر عام 2010، وكانت جوبا تعيش زمنًا غريبًا.
السلام الذي جاء بعد اتفاقية السلام الشامل لم يكن قد صار بعدُ حياةً عادية. الحرب الطويلة كانت لا تزال حاضرة في الذاكرة، في الوجوه، وفي الطرق التي يسلكها الناس، وفي الحذر الذي يسكن بعض الكلمات.
وفي الوقت نفسه، كان شيء كبير يقترب: **استفتاء تقرير مصير جنوب السودان.**
كان الناس يتحدثون عنه في الأسواق، وفي المكاتب، وفي البيوت، وفي سيارات الأجرة، وفي طوابير شراء الخبز.
كان بعضهم يتحدث عن المستقبل وكأنه يعرفه، وكان آخرون يتحدثون عنه وكأن المستقبل شيء يجب الحذر منه.
أما الأطفال، فكانوا يسمعون الكلمات الكبيرة دون أن يعرفوا دائمًا ماذا تعني:
استقلال... استفتاء... وحدة... انفصال... سلام... وطن.
كانت الكلمات أكبر من أعمارهم، لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: الكبار ينتظرون شيئًا.
---
في أحد بيوت جوبا، كانت إستيلا تستيقظ قبل بقية أفراد الأسرة.
لم تكن ترى ضوء الصباح، لكنها كانت تعرف أنه جاء. كانت تعرف ذلك من أصوات المدينة، ومن حرارة الهواء، ومن رائحة الأرض، ومن الطيور التي تبدأ يومها قبل البشر.
جلست على حافة سريرها وأصغت.
لم يكن البيت صامتًا؛ كان هناك صوت أمها في المطبخ، واحتكاك الأواني، وخطوات والدها في الغرفة المجاورة، ثم صوت جهاز الراديو الصغير الذي لم يكن يغادر البيت إلا نادرًا.
كان والد إستيلا يعمل مع إحدى وكالات الأمم المتحدة في جوبا، وكانت أمها تعمل في المجال الإنساني أيضًا.
لم تكن إستيلا تعرف الكثير عن عملهما، كانت تعرف فقط أن والدها يخرج كثيرًا، وأن أمها تتحدث أحيانًا عن قرى بعيدة، وعن أسر تحتاج إلى الغذاء، وعن طرق تصبح صعبة عندما تهطل الأمطار.
كانت جوبا بالنسبة إلى إستيلا أكثر من مدينة... كانت بيتها. ولدت فيها، وكان بإمكانها معرفة شوارعها بطريقة لا تحتاج معها إلى العينين.
قالت أمها من المطبخ:
— إستيلا، هل استيقظتِ؟
— نعم.
— تعالي.
ارتدت إستيلا ملابسها، ثم خرجت. وقبل أن تصل إلى المطبخ، توقفت.
كانت تسمع الماء... ليس ماءً كثيرًا، مجرد قطرات متقطعة من صنبور في الفناء.
اقتربت ومدت يدها، تركت قطرة تسقط على راحة يدها، ثم قالت:
— الماء اليوم مختلف.
توقفت أمها لحظة:
— مختلف كيف؟
هزت إستيلا كتفيها:
— لا أعرف.
لم تكن تبحث عن تفسير، كانت فقط تقول ما شعرت به. وفي ذلك الصباح، لم يكن أحد في البيت يعرف أن هذه الجملة الصغيرة ستعود إليهم بعد سنوات.
---
في مكان آخر من جوبا، كانت عائلات أخرى تستعد ليوم جديد.
لم تكن العائلات الخمس قد أصبحت عائلةً واحدةً بعد، بل لم يكن الأطفال الخمسة يعرفون بعضهم جميعًا.
كان لكل بيت حكايته؛ جاءت إحدى العائلات من غرب السودان، وكانت ابنتها تحمل معها —دون أن تعرف— ذاكرة أرض مختلفة؛ أرضًا يعرف أهلها معنى المطر أكثر مما يعرفه كثير من الناس، لأن غيابه قد يعني أن الموسم كله لم يبدأ أصلًا.
وجاءت عائلة أخرى من وسط السودان، حيث النيل والأرض الزراعية والمدن المكتظة صنعت علاقة مختلفة بين الإنسان والماء.
أما الأسرة الثالثة فجاءت من شرق السودان، من منطقة يعرف أهلها البحر والجبال والحرارة والرياح، ويعرفون أيضًا أن الماء قد يكون قريبًا جدًا، ومع ذلك لا يكون صالحًا للشرب.
وكان الطفل الرابع سودانيًا أيضًا، من منطقة مختلفة عن الآخرين، يحمل في ذاكرته حكايات الأرض والمواسم كما حملها والداه إلى جوبا.
أما الطفل الخامس، فجاء من البرازيل؛ كان والده يعمل في المجال الإنساني، وكانت والدته مرتبطة أيضًا بعمل دولي.
لم يكن أحد من الأطفال قد فهم بعد أن أوطانهم البعيدة كانت متصلة بطريقة لا تظهر على الخرائط المدرسية.
الصحراء في مكان... والغابة في مكان آخر... النهر هنا... والمحيط هناك... لكن السماء فوق الجميع واحدة.
وكانت الحرارة التي ترتفع فوق غابة الأمازون تدخل في قصة العالم كله، كما تدخل قطرة المطر التي تسقط في جوبا في دورة أكبر بكثير من المدينة.
لم يكن الأطفال يعرفون شيئًا عن ذلك... بعد.
---
في مقر العمل، كان الصباح مختلفًا: أجهزة الراديو تعمل، أوراق كثيرة على الطاولات، خرائط، هواتف، أسماء أماكن، طلبات، تقارير...
وكان بعض العاملين في الأمم المتحدة يتحدثون عن الطرق، وبعضهم عن الغذاء، وبعضهم عن الأمن، وبعضهم عن الانتخابات والاستفتاء القادم.
في إحدى الغرف، جلس آباء الأطفال الخمسة حول طاولة صغيرة أثناء استراحة قصيرة. لم يكن اجتماعًا رسميًا، كان مجرد صباح آخر في عمل طويل.
قال أحدهم:
— يبدو أن الشهور القادمة لن تكون عادية.
أجاب آخر:
— منذ سنوات ونحن نقول ذلك.
ابتسمت امرأة كانت تجلس إلى جواره:
— هذه المرة مختلفة.
لم يسألها أحد كيف، كان الجميع يعرف. في يناير القادم سيصوت سكان جنوب السودان على سؤال سيغير تاريخ المنطقة.
كان اتفاق السلام الشامل، الذي وُقّع في نيروبي عام 2005، قد وضع فترة انتقالية تنتهي باستفتاء تقرير المصير. والآن أصبح الموعد قريبًا... قريبًا جدًا.
فتح أحدهم جهاز الراديو. جاء صوت المذيع من بعيد يتحدث عن الاستفتاء والاستعدادات له، ثم انقطع الصوت للحظات بسبب التشويش.
نظر الرجل إلى الجهاز:
— حتى الراديو متوتر!
ضحكوا، ثم عاد كل واحد إلى عمله. لكن الكلمات بقيت معلقة في الغرفة ،يناير.
---
في المدرسة، لم يكن أحد من الأطفال يفكر في التاريخ؛ كانوا يفكرون في الواجبات، وفي المعلمين، وفيمن سيجلس بجوار من، وفي الفسحة.
كانت إستيلا تعرف المدرسة جيدًا؛ تعرف الدرجات بعدد خطواتها، وتعرف الممر من صدى الصوت، وتحفظ أماكن الأبواب.
في أحد الأيام، جلست بجوار طفلة جاءت من غرب السودان. لم تتحدثا كثيرًا، وبعد دقائق، قالت الطفلة:
— أنتِ لا ترين؟
أجابت إستيلا بهدوء:
— لا.
سكتت الطفلة قليلًا، ثم سألت:
— وهل تعرفين الطريق؟
ابتسمت إستيلا:
— أكثر منكِ.
ضحكتا.
وفي الصف نفسه كان الطفل القادم من البرازيل يجلس في الجهة الأخرى. لم يكن يتحدث العربية جيدًا، وكان بعض الكلمات يضيع منه فيضحك الأطفال، لكنه كان يعرف الإنجليزية وكان يحب رسم الأشجار.
أما الطفل القادم من وسط السودان فكان يحب الأرقام، وكانت الفتاة القادمة من الشرق قليلة الكلام لكنها كانت تلاحظ أشياء لا ينتبه إليها الآخرون.
لم يصبحوا أصدقاء في ذلك اليوم، ولم تكن هناك حاجة لذلك؛ فالصداقة الحقيقية لا تبدأ دائمًا بلحظة كبيرة... أحيانًا تبدأ بمقعد، أو قلم، أو ضحكة، أو سؤال بسيط.
---
بعد أيام، طلب المعلم من الأطفال أن يكتبوا في دفاترهم عن الطقس:
— كيف كان الطقس هذا الأسبوع؟
بدأ الأطفال في الكتابة: حار، ممطر، غائم، مشمس.
رفعت إستيلا يدها:
— أستاذ؟
— نعم.
— هل الطقس هو نفسه المناخ؟
نظر إليها المعلم لحظة، ثم قال:
— لا.
انتظر الأطفال الشرح، لكنه لم يشرع في محاضرة، قال فقط:
— الطقس هو ما يحدث في السماء الآن أو خلال فترة قصيرة، أما المناخ فهو ما نفهمه عندما ننظر إلى أنماط الطقس عبر زمن أطول بكثير.
سكت، ثم أضاف:
— وستعرفون الفرق عندما تكبرون.
كتب الطفل الذي يحب الأرقام الكلمة في دفتره: «المناخ»، ولم يعرف لماذا شعر أن الكلمة أكبر من الصفحة.
---
في المساء، عادت العائلات إلى بيوتها. كانت جوبا قد أصبحت أكثر حرارة.
وفي أحد البيوت كان الحديث يدور عن الطريق، وفي بيت آخر عن العمل، وفي بيت ثالث عن الاستفتاء، وفي بيت رابع عن أقارب لم يصلوا بعد.
أما في بيت إستيلا، فقد جلست الأسرة قرب النافذة. كان الراديو يعمل، وصوت المذيع يتحدث عن السودان والجنوب والاستفتاء.
لم تفهم إستيلا كل شيء، لكنها فهمت من نبرة أبيها أن هناك شيئًا مهمًا. قالت:
— أبي، هل ستتغير جوبا؟
صمت قليلًا ثم قال:
— كل شيء يتغير يا إستيلا.
— حتى الأشياء التي لا نراها؟
نظر إليها، لم تكن تعرف لماذا سألت السؤال، لكنه بقي في ذهنه.
---
في تلك الليلة، لم تمطر، وكان ذلك طبيعيًا —على الأقل هكذا بدا الأمر— لكن في مكان ما خارج المدينة كانت الغيوم تتجمع، وفي مكان آخر كانت الرياح تتحرك، وفي مكان أبعد بكثير كانت المحيطات تخزن كميات هائلة من الحرارة لا يشعر بها أحد في جوبا.
كان العالم يعمل في صمت: الماء يتبخر، الهواء يتحرك، الحرارة تنتقل، السحب تتشكل، الأرض تفقد حرارتها وتكتسبها، والنباتات تتنفس... كل شيء كان يحدث في الوقت نفسه، لكن البشر يرون أجزاءً صغيرة فقط.
في تلك الليلة، نام الأطفال الخمسة في بيوتهم المختلفة، لم يكونوا يعرفون أن السنوات القادمة ستفرق بينهم ثم تعيد جمعهم، ولم يكونوا يعرفون أن كل واحد منهم سيحمل جزءًا من قصة الأرض، ولم يعرفوا أن السؤال الذي طرحته إستيلا عن الماء لن يكون سؤالًا عابرًا.
أما جوبا، فظلت مستيقظة، وفي مكان قريب من النهر، كان الماء يتحرك ببطء تحت ضوء لا تراه إستيلا.
لكنها، في صباح اليوم التالي، ستسمع شيئًا آخر... شيئًا صغيرًا جدًا، شيئًا لا يستحق أن يكتب عنه أحد في صحيفة، إلا إذا عرف بعد سنوات أن ذلك الصباح كان بداية القصة.
وكانت الجملة نفسها ستعود:
«الماء اليوم مختلف.»
بيئة
خمسة أطفال والمناخ سادسهم