عندما صار للمناخ صوتٌ في العالم
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية والعلمية والجغرافية فتستند إلى الواقع.
كان عام 1997 قد مضى قبل أن يولدوا بسنوات، لكنهم عندما بدأوا يبحثون عن أصل الحكاية اكتشفوا أن العالم كان قد وضع في ذلك العام واحدة من أولى العلامات الكبيرة على الطريق الذي سيقودهم لاحقًا إلى المناخ.
في الحادي عشر من ديسمبر من ذلك العام، اجتمعت الدول في مدينة كيوتو اليابانية، وفي نهاية المفاوضات اعتمدت بروتوكول كيوتو؛ أول اتفاق دولي كبير وضع أهدافًا ملزمة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة على الدول الصناعية والاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية. لم يكن أيٌّ من الأطفال الخمسة يعرف شيئًا عن ذلك اليوم، فقد كانوا بعيدين عنه جغرافيًا وزمنيًا، لكن الاتفاق الذي خرج من كيوتو سيصبح بعد سنوات جزءًا من الأسئلة التي يحملونها في حقائبهم.
وحين كانوا يقرأون عنه بعد سنوات، لم تكن مريم تفكر في قاعات المؤتمرات بقدر ما كانت تفكر في البحر.
كانت تقول: «كيف يمكن لقرارٍ يُتّخذ في مدينة بعيدة أن يصل إلى بورتسودان؟»
كان سامر يجيبها: «إذا كان القرار يتعلق بالغازات التي تدخل الغلاف الجوي، فربما يصل إلى كل مكان.»
فترد سلمى: «لكن الناس لا يعيشون داخل الغلاف الجوي بالطريقة نفسها.»
كانت تلك الجملة هي التي تجعل ليو يرفع عينيه عن الكتاب.
قال: «وهذه هي المشكلة.»
لم تكن المشكلة بالنسبة إليه في أن المناخ عالميٌّ فحسب، بل في أن تأثيراته ليست متساوية. فالغابة التي يعرفها في الأمازون ليست مجرد مساحة خضراء على خريطة، كما أن الأرض التي تعرفها سلمى في غرب السودان ليست مجرد أرض جافة، والبحر الذي تربت مريم على سماع أخباره ليس مجرد مياه زرقاء تمتد إلى الأفق.
كانوا قد بدأوا يفهمون شيئًا لم يكن واضحًا لهم عندما كانوا أطفالًا: المناخ نظامٌ واحد، لكن الناس يدخلونه من أبواب مختلفة.
---
في عام 2005 دخل بروتوكول كيوتو حيز النفاذ، وفي العام نفسه كانت حياة الخمسة في جوبا تتشكل وسط واقع آخر؛ اتفاقية السلام الشامل كانت قد وُقّعت في نيروبي، وبدأت فترة انتقالية جديدة في السودان. كانوا آنذاك لا يزالون يعيشون عالم المدرسة، ولم يكن أحد منهم يعرف أن التاريخ السياسي الذي يحيط بهم سيتقاطع يومًا مع تاريخ المناخ.
ثم جاء عام 2009.
في كوبنهاغن، اجتمع العالم في مؤتمر المناخ الخامس عشر. كان الناس يتابعون الأخبار، وكانت التوقعات كبيرة، لكن النتيجة لم تكن الاتفاق العالمي الذي كان كثيرون يأملونه. بالنسبة إلى الأطفال الخمسة، لم يكن مؤتمر كوبنهاغن حدثًا يفهمونه في تفاصيله، لكنه كان أول مرة يشعرون فيها أن العالم يتحدث عن مشكلة أكبر من قدرة دولة واحدة على حلها.
وفي مكان آخر من العالم، بعيدًا عن القاعة التي اجتمع فيها المفاوضون، كان الناس يعيشون المناخ بطريقة مختلفة تمامًا.
لم تكن الكارثة تحتاج إلى منصة أو مترجمين.
كان يكفي أن يخفق المطر، أو يأتي في غير موعده، أو يشتد بصورة لم تكن المجتمعات مستعدة لها.
في صيف 2010، كانت الأخبار القادمة من باكستان مختلفة عن الأخبار المعتادة؛ أمطارٌ موسمية شديدة أدت إلى فيضانات واسعة، وغمرت القرى والطرق والجسور والأراضي الزراعية، وأصبح ملايين الناس بحاجة إلى المساعدة. في أغسطس وحده، كانت الأمم المتحدة تتحدث عن أكثر من أربعة عشر مليون شخص متأثرين بالفيضانات، وعن احتياجات عاجلة للغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الطبية.
قرأ سامر الخبر بصمت، ثم قال: «الماء نفسه الذي نحتاجه للحياة يمكن أن يتحول إلى كارثة.»
أجابته سلمى: «المشكلة ليست في الماء وحده.»
سألها: «في ماذا إذن؟»
قالت: «في المكان، والوقت، والكمية، والاستعداد.»
نظر إليها ليو وقال: «وفي المناخ.»
لم يرد أحد.
كانت الكلمة قد أصبحت بالنسبة إليهم أكبر من مجرد درجة حرارة أو مطر.
---
وفي عام 2011، لم تعد أخبار المناخ بعيدة عن أفريقيا.
كان القرن الأفريقي يعيش واحدة من أسوأ أزمات الجفاف في تاريخه الحديث؛ موسمان متتاليان من الأمطار الأقل من المعتاد جعلا عام 2011 من أكثر الأعوام جفافًا في شرق القرن الأفريقي منذ منتصف التسعينيات. وتداخل الجفاف مع الصراع وارتفاع أسعار الغذاء ضعف سبل العيش، فاحتاج أكثر من ثلاثة عشر مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية في المنطقة. وفي الصومال، بلغت الأزمة حد المجاعة في أجزاء من البلاد، بينما عبر مئات الآلاف الحدود بحثًا عن الغذاء والماء والأمان.
كان ذلك العام ثقيلًا بصورة خاصة على سامر وسلمى.
كانت عائلتاهما تتحدثان عن الأرض والمطر والحيوانات وأسعار الغذاء، بينما كانت إستيلا تسمع في بيتها أحاديث العاملين في المجال الإنساني عن الاحتياجات التي تتزايد.
ذات مساء، قالت لوالدتها: «هل الجفاف كارثة طبيعية؟»
توقفت أمها قبل أن تجيب، ثم قالت: «الجفاف ظاهرة مناخية، لكن الكارثة لا يصنعها المناخ وحده دائمًا.»
لم تفهم إستيلا الإجابة كاملة.
فأضافت أمها: «إذا كان الناس فقراء، وإذا كانت الأرض متدهورة، وإذا كانت الخدمات ضعيفة، وإذا كان هناك نزاع، وإذا لم تصل المساعدة في الوقت المناسب، فإن الجفاف يمكن أن يتحول إلى أزمة إنسانية ضخمة.»

بقيت إستيلا صامتة، ثم قالت: «إذن المطر ليس وحده المسؤول؟»
قالت أمها: «لا. علينا أن نفهم النظام كله.»
كانت تلك الجملة ستبقى معها سنوات طويلة.
---
وفي عام 2013 جاء مشهد آخر من الطرف الآخر من العالم.
كان اسم المكان: الفلبين.
كان إعصار «هايان»، المعروف محليًا باسم «يولاندا»، قد ضرب مناطق ساحلية في شرق البلاد في نوفمبر، وكانت قوته وارتفاع موجته والدمار الذي خلفه هائلًا. قُتل آلاف الأشخاص وتأثر ملايين آخرون، واضطر نحو أربعة ملايين شخص إلى النزوح، بينما دُمّرت المنازل والخدمات والبنية التحتية على نطاق واسع.
كانت مريم تتابع الصور.
قالت: «انظروا إلى البحر.»
قال سامر: «البحر لم يتغير.»
ردت: «بل نحن الذين لم نعد نستطيع النظر إليه بالطريقة نفسها.»
رفع ليو رأسه وقال: «ماذا تقصدين؟»
قالت مريم: «عندما كنت طفلة، كنت أراه مكانًا بعيدًا وجميلًا، أما الآن فأراه أيضًا قوة يمكن أن تدخل المدينة.»
لم يقل أحد شيئًا.
كانت هذه واحدة من اللحظات التي بدأ فيها الخمسة يفهمون الفرق بين الخطر والكارثة.
الإعصار ظاهرة طبيعية، لكن حجم الخسائر يعتمد أيضًا على مكان وجود الناس، وعلى قوة المباني، والتخطيط، وأنظمة الإنذار المبكر، والفقر، وقدرة المجتمع والدولة على الاستجابة والتعافي.
لم يعد المناخ بالنسبة إليهم سؤالًا عن الحرارة والمطر فحسب، بل أصبح سؤالًا عن الهشاشة.
---
وحين جاء عام 2015، كانوا قد كبروا بما يكفي ليفهموا أن العالم نفسه كان يبحث عن إجابة جديدة.
في باريس، اجتمعت الدول في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين. وفي الثاني عشر من ديسمبر اعتُمد اتفاق باريس بمشاركة 195 طرفًا، ثم دخل الاتفاق حيز النفاذ في الرابع من نوفمبر 2016. وضع الاتفاق هدفًا عالميًا يتمثل في إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصر الارتفاع عند 1.5 درجة.
كان ليو أول من قالها بصوت مرتفع: «لقد تغير السؤال.»
سأله سامر: «كيف؟»
قال: «في كيوتو كان العالم يحاول أن يضع حدودًا للانبعاثات على بعض الدول. في باريس أصبح السؤال أوسع: ماذا ستفعل كل دولة؟ وكيف سنبقى تحت 1.5 أو درجتين؟»
قالت سلمى: «وهل هذا يعني أن المشكلة حُلت؟»
ضحك سامر وقال: «لو كانت قد حُلت، لما كنا نحتاج إلى كل هذه المؤتمرات.»
ابتسمت مريم، لكن إستيلا بقيت صامتة.
كانت تتذكر المطر؛ الماء الذي اختلف في جوبا عندما كانوا أطفالًا.
---
في ذلك الوقت، لم يعد الخمسة مجرد أصدقاء يجتمعون حول سؤال واحد، بل أصبح لكل واحد منهم طريقه.
كان سامر قد اقترب أكثر من علوم البيئة والمياه والزراعة، وأصبحت الأسئلة التي كان يطرحها عن النيل في طفولته جزءًا من دراسته. وكانت سلمى قد وجدت نفسها أكثر ارتباطًا بالأرض والموارد الطبيعية والزراعة والمراعي. أما مريم، فقد أخذها البحر إلى الجغرافيا والبيئة الساحلية. وكان ليو يدرس عالم الغابات والنظم البيئية والكربون، بينما واصلت إستيلا طريقها في المجال الإنساني والمجتمعي، وهي تحمل معها سؤالًا مختلفًا دائمًا: ماذا يحدث للناس عندما يتغير شيء في الطبيعة ولا يملكون القدرة على التكيف معه؟
لم يكونوا يعرفون بعد أن هذه الطرق المختلفة ستلتقي مرة أخرى.
في إحدى أمسيات عام 2018، جلسوا معًا بعد سنوات من التباعد النسبي.
كانوا الآن في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من أعمارهم، وقد اقتربوا من التخرج أو بدأ بعضهم بالفعل أولى خطواته نحو الحياة المهنية.
وضعت مريم على الطاولة مجموعة من الأوراق وقالت: «انظروا.»
كانت الأوراق تتحدث عن المناخ، لكن شيئًا آخر لفت انتباه سامر.
قال: «كل شيء هنا مرتبط ببعضه.»
أجابته سلمى: «الغذاء بالماء.»
قال ليو: «والغابة بالكربون.»
قالت مريم: «والبحر بالمدن.»
وأضافت إستيلا: «والكوارث بالناس.»
ساد الصمت.
ثم قالت إستيلا: «ربما لهذا السبب بدأنا نفهم السؤال خطأ.»
سألها سامر: «أي سؤال؟»
قالت: «كنا نسأل: هل يتغير المناخ؟»
نظرت إلى أصدقائها واحدًا واحدًا، ثم قالت: «لكن السؤال الآن هو: ماذا يحدث للناس عندما يتغير؟»
في تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن العالم نفسه كان يستعد لدخول مرحلة جديدة من هذه القصة.
فقد كان اتفاق باريس قد فتح الباب أمام لغة جديدة: التكيف، التخفيف، التمويل، الخسائر والأضرار، المساهمات المحددة وطنيًا، والعدالة المناخية.
وكان عليهم أن يكتشفوا، للمرة الأولى، أن المعركة من أجل المناخ لا تجري في السماء فقط؛ إنها تجري على الأرض: في الحقول، في المدن الساحلية، في الغابات، في مخيمات النازحين، وفي قاعات المؤتمرات التي يجلس فيها العالم ليتفاوض على مستقبل لم يعد بعيدًا.
نظر سامر إلى مريم وقال: «إلى أين نذهب من هنا؟»
ابتسمت مريم وقالت: «إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء.»
سأل ليو: «جوبا؟»
هزت إستيلا رأسها وقالت: «إلى الماء.»
وفي الخارج، بدأ المطر يهطل من جديد.