الحلقة الثانية: الماء الذي جمعهم

هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأماكن والسياقات التاريخية والعلمية فتستند إلى الواقع.

لم تكن جوبا في ذلك الصباح مختلفة كثيرًا عن الأيام التي سبقته، ومع ذلك كان في المدينة شيء يصعب على المرء أن يسمّيه. كانت الحركة تبدأ مبكرًا؛ أصوات السيارات في الطرقات، خطوات العاملين في المؤسسات الإنسانية، الباعة الذين يفتحون متاجرهم الصغيرة، وأصوات الأطفال وهم يتجهون إلى مدارسهم. وفي البيوت التي يعمل أصحابها في المجال الإنساني، كان الحديث عن الطعام والماء والطرق والقرى البعيدة جزءًا من الحياة اليومية، لا أخبارًا تأتي من مكان آخر. كان والد إستيلا قد خرج باكرًا إلى عمله، وكانت أمها تستعد هي الأخرى ليوم طويل، بينما ظلت جوبا تحمل في هوائها ذلك الشعور الغامض بأن البلاد كلها تقف أمام باب شيء كبير لا يعرف أحد تمامًا كيف سيكون شكله.

كان ذلك في أواخر عام 2010، بعد سنوات من توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وقبل أسابيع قليلة من الاستفتاء المقرر حول مستقبل جنوب السودان. كان الكبار يتحدثون عن يناير كثيرًا، ويتوقفون أحيانًا عن الكلام عندما يدخل الأطفال الغرفة، ثم يعودون إليه بصوت أخفض. أما الأطفال فلم يكونوا يفهمون كل شيء؛ كانوا يعرفون فقط أن هناك استفتاءً قادمًا، وأن الناس ينتظرونه، وأن أسماء المدن والخرطوم وجوبا والمستقبل أصبحت تتردد كثيرًا في أحاديث الكبار.

لم تكن إستيلا بحاجة إلى أن ترى وجوه الناس لتعرف أن شيئًا يشغلهم. كانت تلتقط التغيير من نبرة الصوت، ومن سرعة الخطوات، ومن الطريقة التي تُغلق بها الأبواب، ومن الصمت الذي يأتي أحيانًا بعد جملة قصيرة. وكانت تعرف المدينة بطريقتها الخاصة أيضًا؛ برائحة التراب عندما يسخن، وبصوت السيارات على الطرق، وبنداء الباعة، وبأصوات الطيور التي كانت تستطيع تمييز بعضها من بعض. وحين خرجت من البيت ذلك الصباح، توقفت للحظة عند العتبة؛ لم تقل شيئًا، لكنها رفعت وجهها نحو الهواء كأنها تحاول أن تقرأ فيه شيئًا لا يراه الآخرون.

في المدرسة، كان اليوم يسير بصورة عادية في بدايته. وبينما كانت إستيلا تجلس في مكانها، دخل الفصلَ ثلاثة طلاب لم يكونوا من المجموعة التي اعتادت الجلوس معها. كانت مريم قد وصلت إلى جوبا مع أسرتها من بورتسودان، وكانت تحمل دائمًا دفترًا صغيرًا تكتب فيه الأشياء التي تلفت انتباهها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبحر والطقس والرياح. وكانت سلمى من الأبيض، وقد اعتادت أن تسمع من أهلها عن المطر والأرض والمراعي ومواسم الزراعة، ولذلك كانت تنظر إلى الغيوم كما ينظر شخص يعرف أن الغيمة ليست مجرد شكل في السماء. أما سامر، القادم من ود مدني، فكان أكثر ما يشغله الماء والنهر والزراعة؛ كان يسمع من أسرته كثيرًا عن النيل وعن الأرض التي تعتمد على الماء أكثر مما يتخيل الطفل عادة.

أما ليو، فقد كان أبعدهم مسافة عن المكان الذي اجتمعوا فيه. جاء من البرازيل، من منطقة الأمازون، مع أسرته التي كانت تقيم في جوبا في ظروف مرتبطة بالعمل الإنساني. كان يتحدث العربية بطريقة جيدة، لكن بعض الكلمات كانت تخرج منه بلكنة جعلت الأطفال يبتسمون أحيانًا، وكان هو نفسه يضحك عندما يكتشف أنه استخدم كلمة في غير موضعها. وكان أكثر ما يثير فضوله في السودان هو أن الناس يستطيعون الحديث عن الماء بطرق مختلفة؛ فهناك من يتحدث عنه باعتباره نهرًا، ومن يراه مطرًا، ومن يراه بحرًا، ومن يراه مصدرًا للحياة، بينما كان هو يحمل في ذاكرته عالمًا آخر من الأنهار والغابات والمطر.

لم يتحدث الخمسة كثيرًا في اليوم الأول. لم تكن هناك صداقة جاهزة تنتظرهم. كانت مجرد نظرات عابرة، وأسئلة صغيرة، ومواقف مدرسية عادية. لكن حدثًا بسيطًا في الفسحة جعل المسافة بينهم أقصر قليلًا.

كانت إحدى زجاجات الماء قد سقطت من حقيبة سامر، وانفتح غطاؤها دون أن ينتبه، فتسرب جزء من الماء إلى الأرض. انحنى بسرعة يحاول إنقاذ ما تبقى، بينما قالت مريم وهي تنظر إلى الماء المتسرب: «أنت تتصرف وكأنك فقدت شيئًا مهمًا.»

رفع سامر رأسه وقال: «هو مهم.»

ضحكت مريم: «إنها مجرد زجاجة ماء.»

هنا تدخلت سلمى، التي كانت تراقب المشهد، وقالت: «ليست مجرد ماء. في الأبيض أحيانًا ينتظر الناس المطر كأنهم ينتظرون خبرًا.»

قال ليو: «وفي الأمازون، الماء لا ينتظر أحدًا.»

ضحكوا جميعًا، وسأل سامر: «كيف يعني؟»

قال ليو: «هناك أنهار كبيرة، ومطر كثير، وغابات تشرب الماء وتعيده إلى الجو. أحيانًا تشعر أن الماء موجود في كل مكان.»

قالت سلمى: «وهنا قد تبحث عنه في المكان نفسه ولا تجده.»

لم تكن الجملة مجرد مقارنة بين أماكن مختلفة. بقيت لحظة صمت قصيرة بعدها، وكأن كل واحد منهم تذكر شيئًا من المكان الذي جاء منه.

كانت إستيلا تستمع إليهم من دون أن تتدخل. ثم قالت بهدوء: «لكن الماء لا يبقى كما هو.»

نظر سامر إليها مستغربًا: «كيف يعني؟»

قالت: «لا أعرف... أشعر فقط أن الماء له أصوات كثيرة.»

سألها: «أصوات؟»

ابتسمت وقالت: «المطر له صوت. النهر له صوت. الماء في الكوب له صوت آخر. وحتى عندما لا أسمعه، أستطيع أحيانًا أن أعرف أنه قريب.»

لم يعرف سامر ماذا يقول. أما مريم فأخرجت دفترها وكتبت شيئًا، ثم أغلقته بسرعة قبل أن يسألها أحد عما كتبت.

مع مرور الأيام، بدأت المسافات الصغيرة بينهم تختفي. لم يكن الأمر نتيجة قرار اتخذوه بأن يصبحوا أصدقاء، بل لأن المدرسة جمعتهم في مواقف كثيرة؛ مرة في نشاط جماعي، ومرة أثناء انتظار المعلم، ومرة عندما تعطلت إحدى وسائل النقل واضطر بعضهم إلى العودة معًا. وفي كل مرة كانوا يكتشفون شيئًا جديدًا عن الآخر.

اكتشفوا أن مريم تستطيع أن تحول أي حديث عابر إلى سؤال عن البحر، وأن سلمى لا تستطيع سماع حديث عن المطر من دون أن تفكر في الأرض، وأن سامر يرى الماء تقريبًا في كل شيء يتعلق بالحياة، وأن ليو يستطيع أن يجعل الغابة الأمازونية حاضرة في الفصل بمجرد أن يبدأ في وصفها. أما إستيلا، فكانت تستمع أكثر مما تتحدث، لكنها عندما تتحدث تجعل الآخرين يتوقفون قليلًا قبل أن يجيبوا.

وذات يوم، كان المعلم يتحدث عن الماء في الطبيعة، فسأل الطلاب: «من أين يأتي الماء الذي نشربه؟»

جاءت الإجابات بسرعة. تحدث بعضهم عن الآبار، وقال آخرون عن الأنهار، وقال أحدهم المطر.

قال المعلم: «كل هذه الإجابات صحيحة، لكنها ليست القصة كلها.»

رفع سامر يده وقال: «الماء يتحرك.»

أومأ المعلم: «نعم. الماء لا يعيش في مكان واحد. ينتقل بين السماء والأرض والأنهار والبحيرات والتربة والكائنات الحية.»

سألت مريم: «والبحر؟»

«البحر جزء من القصة.»

وسألت سلمى: «والأرض؟»

«جزء أساسي منها.»

أما ليو فسأل: «والغابة؟»

ابتسم المعلم وقال: «الغابة أيضًا.»

لم يفهم الأطفال يومها أن تلك الإجابات الصغيرة ستعود إليهم بعد سنوات بصورة مختلفة. لم يكن أحد منهم يعرف أن الماء الذي يتحدثون عنه في الفصل سيقودهم لاحقًا إلى أسئلة عن المناخ، والغابات، والمحيطات، والزراعة، والطاقة، والغذاء، وحتى مستقبل المدن والناس.

لكن في ذلك الوقت كان السؤال أبسط بكثير: لماذا يبدو الماء مختلفًا أحيانًا؟

في أحد الأيام، خرج الخمسة من المدرسة معًا. كانت السماء قد تغيرت. لم يكن المطر قد بدأ بعد، لكن الهواء أصبح أثقل، وراحت الغيوم تتجمع فوق المدينة. توقفت مريم ونظرت إلى السماء، بينما قالت سلمى: «ستُمطر.»

قال سامر: «ربما.»

ضحك ليو: «في الأمازون لا ننتظر طويلًا عندما تصبح السماء هكذا.»

أما إستيلا فلم تقل شيئًا.

سألها سامر: «ماذا بك؟»

قالت: «الهواء تغير.»

قالت مريم: «كيف عرفتِ؟»

وضعت إستيلا يدها على ذراعها وقالت: «لا أعرف كيف أشرح ذلك.»

كانت أول قطرات المطر قد بدأت تسقط.

في البداية لم يهتم أحد. فرح الأطفال بالمطر، وبدأ بعضهم يركض، لكن الطريق أمامهم سرعان ما أصبح زلقًا، وبدأ الماء يتجمع في المنخفضات الصغيرة. توقفت المجموعة عند جزء من الطريق وقد امتلأ بالماء، ولم يعد العبور سهلًا كما كان قبل دقائق.

نظر سامر إلى المكان ثم قال: «يجب أن نبحث عن طريق آخر.»

قالت سلمى: «هيا.»

تحركوا معًا، لكن ليو توقف فجأة وقال: «انتظروا.»

كان أحد الأطفال الأصغر سنًا يحاول عبور الجزء المغمور من الطريق وحده، فاقترب سامر منه وأمسك بيده، بينما ساعدته سلمى على الوصول إلى الجانب الآخر. لحقت بهم مريم، ثم جاءت إستيلا وهي تستمع إلى حركة الماء حول أقدامهم.

بعد أن ابتعدوا قليلًا، قال سامر لإستيلا: «كيف تعرفين أين توجد المياه؟»

قالت: «أسمعها.»

قال سامر، وفي صوته شيء من الفضول الحقيقي هذه المرة: «لكن كيف تعرفين أن الماء مختلف وأنت لا ترينه؟»

ساد الصمت لحظة.

ثم قالت إستيلا: «وأنت كيف تعرف أن الماء هو نفسه لمجرد أنك تراه؟»

لم يجد سامر جوابًا.

ابتسمت مريم، وأخرجت دفترها مرة أخرى. فتحت صفحة جديدة، وبقي قلمها ساكنًا لحظات قبل أن تكتب جملة واحدة:

الماء اليوم مختلف.

ثم أغلقت الدفتر.

كان المطر قد اشتد. لم يعد مجرد قطرات متناثرة، بل أصبح ستارًا متصلًا يهبط على المدينة. أخذ الأطفال يبحثون عن مكان يحتمون تحته، بينما كانت أصوات المطر تتغير من لحظة إلى أخرى؛ على سقف معدني، ثم على التراب، ثم على أوراق الأشجار، ثم على الماء المتجمع في الطريق.

وقفت إستيلا صامتة تحت المأوى، تستمع.

قالت سلمى: «ماذا تسمعين؟»

أجابت إستيلا بعد لحظة: «المطر.»

ضحك ليو: «هذا واضح.»

لكنها لم تضحك.

قالت: «لا... أقصد أنني أعرف المطر، لكن هذا المطر... مختلف.»

نظر الأربعة إليها.

لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يعني اختلاف المطر. لم يكن لديهم في ذلك العمر سجلات أمطار، ولا درجات حرارة، ولا خرائط مناخية، ولا معرفة بدورة الكربون أو غازات الدفيئة. كانت لديهم فقط حواسهم، وذكريات أسرهم، وأسئلة لم يجدوا لها أسماء بعد.

وفي طريق العودة، ظل دفتر مريم مغلقًا داخل حقيبتها، بينما ظلت الجملة التي كتبتها حاضرة في ذهنها:

الماء اليوم مختلف.

وفي مكان ما من المدينة، كانت المياه تتجمع على الطرقات، وكان الأرض تشرب المطر، وكانت الأنهار تحمل مياهًا جديدة، وكانت الغيوم تواصل عبورها فوق جوبا.

لم يعرف الأطفال أن صباح الغد سيجعلهم ينظرون إلى هذا المطر بطريقة أخرى.

فقد كان عليهم أن يكتشفوا أن الفرق بين المطر الذي يسقط اليوم والمناخ الذي يتغير عبر سنوات طويلة ليس فرقًا في الكلمات فقط، بل فرق في طريقة فهم العالم.

وهكذا، بينما انتهى ذلك اليوم بالمطر، بدأت قصتهم الحقيقية مع المناخ في الصباح التالي.