السنوات التي غيّرت السؤال
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية، والمعلومات العلمية، والأماكن، والسياقات السياسية والاجتماعية فتستند إلى الواقع. تبدأ هذه الحلقة بعد مرور عدة سنوات على أحداث الحلقة السابقة. لم يعد الأصدقاء أطفالًا في مدرسة جوبا؛ أصبحوا شبابًا على أبواب الجامعة والحياة المهنية، لكن السؤال الذي بدأ معهم في المطر لم يتركهم. في هذه المرحلة يتسع عالمهم، ويتحول السؤال من «ماذا يحدث للمناخ؟» إلى «من يراقبه؟ ومن يفسره؟ ومن يملك القدرة على الاستجابة له؟».
كان عام 2018.
ثماني سنوات تقريبًا مرت منذ ذلك الصباح الذي وقف فيه خمسة أطفال في جوبا يتأملون ماء المطر على الطريق المؤدي إلى المدرسة. ثماني سنوات كانت كافية لتتغير أشياء كثيرة: تغيرت المدينة، تغيرت البلدان، تغيرت وجوه في حياة الأصدقاء، وكبروا هم أنفسهم حتى أصبح من الصعب أن يتذكروا صورة الأطفال الذين كانوا عليها إلا عندما يفتح أحدهم الدفتر القديم.
كان سامر في التاسعة عشرة من عمره، يدرس العلوم البيئية والمائية في الجامعة، وقد بدأ يكتشف أن حبه القديم للنيل لم يكن مجرد تعلق بمكان نشأ حوله، بل بداية اهتمام علمي بالمياه والزراعة والمناخ. سلمى، التي كانت في الثامنة عشرة، اختارت مجال الزراعة والموارد الطبيعية، وكانت ذاكرة الأُبيّض ومواسم المطر والأرض في غرب السودان تلاحقها في كل درس يتعلق بالتربة والجفاف. مريم، في الثامنة عشرة أيضًا، كانت تدرس الجغرافيا والبيئة الساحلية، ولم تستطع أن تنظر إلى البحر في بورتسودان بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها إليه طفلة. أما ليو، الذي أصبح في التاسعة عشرة، فكان يدرس علوم البيئة في البرازيل، ويقترب أكثر من عالم الأمازون الذي ظل منذ طفولته جزءًا من هويته. وإستيلا، التي كانت في الثامنة عشرة، كانت قد أنهت المدرسة الثانوية وبدأت تدريبًا في مجال العمل المجتمعي، وكانت تستعد للانخراط في دراسة تتصل بالتنمية والعمل الإنساني.
لم يعيشوا في المكان نفسه، ولم تعد لقاءاتهم سهلة كما كانت في طفولتهم.
لكنهم ظلوا أصدقاء.
وكان الدفتر القديم ينتقل بينهم كلما التقوا.
في ذلك الصيف عاد بعضهم إلى جوبا. كانت المدينة أكثر ازدحامًا مما يتذكرون، والهواء يحمل رائحة التراب الرطب في بعض الأزقة، بينما كان العمل الإنساني حاضرًا في أحاديث الكبار كما كان منذ طفولتهم. آباؤهم وأمهاتهم ظلوا يعملون في المجال الإنساني، وبعضهم في برنامج الأغذية العالمي، وكانت أخبار الغذاء والمياه والنزوح والأسر التي تحتاج إلى المساعدة جزءًا من أحاديث البيوت التي تربوا فيها.
في مساء أحد الأيام، جلس الأصدقاء في فناء منزل إستيلا. كانت مريم قد وصلت من بورتسودان قبل يومين، وجاء سامر من السودان، بينما كان ليو في زيارة قصيرة من البرازيل. أما سلمى فقد كانت قد أحضرت معها كومة من الأوراق التي لا علاقة لها، في ظاهر الأمر، بالمناخ.
سألها سامر:
«ما هذه؟»
قالت وهي تضعها على الطاولة:
«سجلات.»
ضحكت مريم:
«لا تزالين مهووسة بذلك الدفتر.»
قالت سلمى: «وأنتِ لا تزالين تعتقدين أن كل شيء يمكن حله بالضحك.»
تدخل ليو:
«دعونا نرى أولًا ما الذي أحضرته.»
فتحت سلمى أول ملف.
كانت هناك جداول لدرجات الحرارة وكميات الأمطار، وأسماء محطات، وسنوات مختلفة.
عادوا جميعًا إلى السؤال القديم.
هذه المرة لم يكونوا خمسة أطفال يحاولون فهم المطر.
كانوا خمسة شبان يعرفون شيئًا عن العلم، ولذلك أصبحوا يعرفون أيضًا كم هو صعب أن تثق باستنتاج سريع.
قال سامر:
«الآن فهمنا شيئًا مهمًا. لا نستطيع أن نقول إن المناخ تغير لأن سنة واحدة كانت جافة أو لأن موسمًا واحدًا كان شديد المطر.»
قالت مريم:
«ولا نستطيع أن نعتمد فقط على ذاكرتنا.»
رفعت إستيلا يدها وقالت:
«لكن الذاكرة تستطيع أن تجعلنا نسأل.»
ابتسم سامر:
«وهذا ما فعلناه.»
كانوا قد تعلموا أن المناخ لا يُفهم من حادثة منفردة، بل من السجلات الطويلة والأنماط والإحصاءات. فالطقس هو حالة الغلاف الجوي في فترة قصيرة، أما المناخ فهو نمط طويل الأمد للطقس، بما في ذلك المتوسطات والتغيرات وتكرار الظواهر المتطرفة.
لكن العلم لم يكن يملك دائمًا سجلات محطات تمتد إلى كل الأزمنة وكل الأماكن.
وهنا بدأ ليو يتحدث عن شيء تعلمه في الجامعة.
قال:
«هل تعرفون أن الأرض نفسها تحتفظ بسجلات للمناخ؟»
قالت مريم:
«تقصد الصخور؟»
«والأشجار والجليد والشعاب المرجانية والرواسب.»
بدأ يشرح لهم كيف يستخدم العلماء ما يسمى الأدلة المناخية غير المباشرة أو المؤشرات القديمة للمناخ، أو ما يعرف باسم paleoclimate proxies. حلقات الأشجار يمكن أن تحمل معلومات عن ظروف النمو في سنوات مختلفة، واللباب الجليدي يمكن أن يحتوي على فقاعات هواء قديمة تكشف عن تركيب الغلاف الجوي في أزمنة سابقة، بينما يمكن أن تقدم الرواسب والشعاب المرجانية أدلة عن ظروف بيئية ومناخية سابقة.
قالت إستيلا:
«إذن نحن لا نقرأ الماضي فقط من الكتب.»
أجاب ليو:
«أحيانًا نقرأه من الأرض نفسها.»
كان هذا هو الجانب الذي أحبته إستيلا أكثر من غيره.
لم تكن ترى حلقات الأشجار أو فقاعات الهواء المحبوسة في الجليد، لكنها كانت تستطيع أن تتخيلها من وصف الآخرين، كما كانت تفعل منذ طفولتها مع المطر.
قالت:
«ربما الأرض أكثر احتفاظًا بذكرياتها منا.»
لم يعلق أحد؛ لأنهم كانوا يعرفون أنها محقة.
بعد أيام قليلة، حدث شيء جعل كل ما كانوا يقرأونه يتحول فجأة إلى واقع.
جاءت أم سامر إلى المنزل في وقت متأخر من المساء، وكانت تحمل هاتفها.
قالت:
«هناك اجتماع غدًا.»
سأل سامر:
«أي اجتماع؟»
«اجتماع مع مجموعة من العاملين في المجال الإنساني. هناك حديث عن الغذاء والمياه والأمطار.»
رفع سامر رأسه:
«هل حدث شيء؟»
«ليس كارثة، لكن هناك قلق من الظروف المناخية وتأثيرها على بعض المجتمعات.»
كانت الجملة بسيطة، لكنها أعادت للأصدقاء شيئًا من طفولتهم.
في اليوم التالي ذهب سامر مع والدته. لم يكن اجتماعًا سياسيًا كبيرًا، ولا مؤتمرًا دوليًا. كان اجتماعًا مهنيًا صغيرًا يناقش بيانات الأمطار واحتياجات المجتمعات والاستعداد للمواسم القادمة.
جلس سامر في الخلف واستمع.
كان يتوقع أن يسمع حديثًا عن الغذاء فقط، لكنه سمع كلمات أخرى:
مخاطر.
توقعات مناخية.
تغير في أنماط الأمطار.
أمن غذائي.
قدرة على التكيف.
بيانات.
وبينما كان يستمع، فهم فجأة أن المناخ الذي بدأ معه في دفتر المدرسة أصبح يدخل الآن في قرارات حقيقية: أين يحتاج الناس إلى الغذاء؟ متى تستعد فرق الإغاثة؟ كيف يمكن أن تتأثر الزراعة؟ وما الذي يحدث إذا تغير توقيت الأمطار؟
عندما عاد إلى أصدقائه، قال:
«المناخ لم يعد بالنسبة إليّ موضوعًا علميًا فقط.»
سأله مريم:
«ماذا أصبح؟»
قال:
«أصبح قرارًا.»
في تلك الليلة، فتحوا أجهزة الكمبيوتر وبدأوا يبحثون.
ظهر أمامهم اسم لم يكن غريبًا تمامًا، لكنه أصبح فجأة مهمًا:
World Meteorological Organization — WMO
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
كانت تعمل منذ عقود على التعاون الدولي في مجالات الطقس والمناخ والمياه، وعلى تبادل البيانات والمعلومات العلمية بين الدول.
ثم ظهر اسم آخر:
United Nations Environment Programme — UNEP
برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
ثم وجدوا الاسم الذي كان قد مر أمامهم في دروسهم دون أن يدركوا أهميته:
IPCC
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
كان تأسيسها عام 1988 نتيجة تعاون بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بهدف تقييم المعرفة العلمية المتعلقة بتغير المناخ وآثاره ومخاطره وخيارات الاستجابة.
قال سامر:
«الآن فهمت لماذا كان معلمنا يقول إن العلماء لا يعتمدون على رأي واحد.»
قال ليو:
«لأن المشكلة أكبر من عالم واحد.»
كانت مهمة IPCC مختلفة عن إجراء تجربة واحدة وإعلان نتيجتها؛ فهو يقيّم الأدبيات العلمية المتاحة ويجمع خلاصة المعرفة في تقارير واسعة، يشارك في إعدادها آلاف العلماء والخبراء والمراجعين.
قالت سلمى:
«إذن العلم أصبح له جهاز دولي يستطيع أن يقول للحكومات: هذه هي الصورة التي نعرفها الآن.»
قال ليو:
«بالضبط.»
تدخلت إستيلا:
«لكن إذا قالت المؤسسات العلمية للحكومات إن المناخ يتغير، ماذا يحدث بعد ذلك؟»
ساد الصمت مرة أخرى.
كانت إستيلا تعرف كيف تختار السؤال الذي يوقف الجميع.
بحثوا أكثر.
وهنا ظهرت أمامهم قصة بدأت قبل أن يولدوا.
في عام 1992، وفي مدينة ريو دي جانيرو، اجتمع العالم في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، المعروف بقمة الأرض.
هناك اعتمدت الدول اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أو UNFCCC.
قرأت مريم الاسم ببطء:
«United Nations Framework Convention on Climate Change»
ثم قالت:
«هذا هو الشيء الذي كنا نبحث عنه.»
لم يكن الاتفاق يعني أن العالم حل المشكلة، بل كان بداية إطار دولي للتعاون بشأن تغير المناخ.
دخلت الاتفاقية حيز النفاذ عام 1994.
وفي العام التالي اجتمعت الدول الأطراف للمرة الأولى في برلين، في مؤتمر أصبح يعرف باسم:
COP1
قرأ سامر الكلمة بصوت مرتفع:
«Conference of the Parties»
قالت سلمى:
«مؤتمر الأطراف.»
ضحك ليو:
«ثلاثة أحرف فقط، لكنها ستصبح أهم ثلاثة أحرف في حياتنا.»
لم يكن يعرف آنذاك مدى صحة ما قاله.
بدأوا يفهمون شيئًا لم يكونوا قد أدركوه وهم أطفال.
هناك فرق بين العلم والسياسة.
العلم يسأل: ماذا يحدث؟ لماذا يحدث؟ وما الأدلة؟
أما السياسة الدولية فتسأل: ماذا سنفعل؟ من سيتحمل المسؤولية؟ من سيدفع؟ من سيخفض الانبعاثات؟ من يحتاج إلى الدعم؟ وكيف نوازن بين حماية المناخ واحتياجات التنمية؟
وهنا أصبح تاريخ المناخ أكثر تعقيدًا.
فالدول لم تدخل المفاوضات وهي متساوية في الظروف.
كانت هناك دول صناعية راكمت انبعاثات كبيرة عبر تاريخ طويل من التنمية، ودول نامية ما زالت تحاول توفير الكهرباء والغذاء وفرص العمل لملايين البشر، ودول ومجتمعات شديدة الهشاشة أمام تغير المناخ رغم أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية محدودة.
قالت سلمى:
«إذن عندما نتحدث عن المناخ، فنحن نتحدث أيضًا عن العدالة.»
قالت مريم:
«وعن المال.»
وأضاف سامر:
«وعن التنمية.»
وقال ليو:
«وعن الطاقة.»
ثم قالت إستيلا:
«وعن الناس الذين لا يجلسون أصلًا حول طاولة المفاوضات.»
نظروا إليها.
كانت قد لمست شيئًا لم يكن في الكتب.
في صباح اليوم التالي، جاء خبر آخر إلى جوبا.
لم يكن خبرًا عن مؤتمر دولي.
كان عن أسرة تحتاج إلى المساعدة.
جلس سامر مع والدته يتحدث عن الاجتماع السابق. أخبرته أن البيانات المناخية تساعد المؤسسات الإنسانية على الاستعداد، لكنها لا تستطيع وحدها حل مشكلة الفقر أو ضعف البنية التحتية أو النزوح أو انعدام الأمن الغذائي.
قالت له:
«المناخ يمكن أن يزيد الضغط على مجتمع هش أصلًا، لكنه لا يفسر كل شيء وحده.»
احتفظ سامر بهذه الجملة.
عندما التقى بأصدقائه، نقلها إليهم.
قالت مريم:
«هذه أهم جملة سمعناها منذ زمن.»
سألها سامر:
«لماذا؟»
«لأنها تمنعنا من تبسيط العالم.»
كانت تعرف أن ارتفاع الحرارة لا يفسر وحده الحرب، وأن الجفاف لا يفسر وحده الفقر، وأن الفيضانات لا تخلق وحدها كل حالات النزوح. المخاطر المناخية تتفاعل مع الاقتصاد والسياسة والصحة والبنية التحتية والمؤسسات والقدرة على التكيف.
كان المناخ جزءًا من المعادلة، وليس المعادلة كلها.
في المساء، عادوا إلى الدفتر.
كانت صفحاته قد امتلأت.
كتب سامر في أعلى صفحة جديدة:
من العلم إلى السياسة.
ثم كتب تحتها:
• 1979 — التعاون العالمي حول المناخ يتوسع.
• 1988 — تأسيس IPCC.
• 1992 — اعتماد UNFCCC في ريو.
• 1994 — دخول الاتفاقية حيز النفاذ.
• 1995 — COP1 في برلين.
توقفت مريم عند آخر سطر، وقالت:
«ماذا جاء بعد برلين؟»
ابتسم ليو:
«هذا ما سنعرفه.»
لكن إستيلا لم تكن تنظر إلى الدفتر؛ كانت تستمع إلى أصوات المساء في جوبا، ثم قالت:
«أعتقد أننا تأخرنا في طرح سؤال آخر.»
سألها سامر:
«أي سؤال؟»
قالت:
«إذا كان العالم قد أنشأ اتفاقية ومؤتمرًا، فماذا حدث عندما طُلِبَ من الدول أن تلتزم فعلًا؟»
نظر الأصدقاء إلى بعضهم.
لم يكن السؤال هذه المرة عن العلم، كان عن القوة، وعن المصالح، وعن المسؤولية، وعن الدولة التي تقول نعم، والدولة التي تقول لا، والدولة التي تقول إنها تريد أن تعمل لكنها لا تستطيع وحدها.
فتح سامر صفحة جديدة.
كتب في أعلاها كلمة واحدة:
KYOTO
ثم أغلق الدفتر.
في تلك اللحظة لم يعرفوا أن السنوات القادمة ستأخذهم بعيدًا عن جوبا، وأن أحدهم سيجد نفسه قريبًا من قاعات التفاوض، بينما سيبقى آخر قريبًا من الأرض والماء والغذاء، وأن السؤال الذي بدأ في طفولتهم عن المطر سيقودهم إلى معركة عالمية حول مستقبل الكوكب.
كان عليهم أولًا أن يفهموا كيف حاول العالم، للمرة الأولى، أن يحول المعرفة العلمية إلى التزام سياسي.
وكانت مدينة كيوتو تنتظرهم.
بيئة
خمسة أصدقاء والمناخ سادسهم الحلقة الخامسة