الحلقة الثالثة: حين خرج المطر من الكتاب
ملاحظة الحلقة
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية، والمعلومات العلمية، والأماكن، والسياقات السياسية والاجتماعية فتستند إلى الواقع. في هذه الحلقة تبدأ رحلة الأصدقاء الخمسة إلى علم المناخ، لا من كتاب مدرسي، بل من حدث صغير سيجعلهم ينظرون إلى المطر بطريقة مختلفة.
في صباح اليوم التالي للمطر، لم تكن جوبا كما تركها الأطفال في اليوم السابق. لم يكن التغيير كبيرًا إلى درجة أن يراه كل شخص فورًا، لكنه كان واضحًا لمن يعرف المدينة جيدًا؛ برك صغيرة تجمعت عند أطراف الطرق، وتراب التصق بأقدام المارة، ومياه اندفعت من بعض الأزقة نحو المنخفضات، بينما بقيت السماء ملبدة بغيوم رمادية جعلت النهار يبدو أقصر من المعتاد.
في المدرسة، كان الأطفال الخمسة يتحدثون عن المطر أكثر مما يتحدثون عن الدرس. كانت سلمى تقول إن المشكلة ليست في المطر نفسه وإنما في كمية المياه التي سقطت خلال وقت قصير، بينما كانت مريم تتساءل عما إذا كان الناس في بورتسودان سيصفون هذا المطر بالطريقة نفسها. أما سامر فكان لا يزال يرى أن الأمر لا يتجاوز مطرًا عاديًا، في حين كان ليو يفكر في الفرق بين المطر الذي يعرفه في البرازيل والمطر الذي بدأ يتعرف إليه في جوبا. أما إستيلا فكانت تستمع.
قالت أخيرًا: «هناك شيء غريب.»
سألها سامر: «ماذا؟»
قالت: «الأصوات.»
لم يفهم أحد.
تابعت: «الماء يتحرك بطريقة مختلفة اليوم.»
لم يكد سامر يجيب حتى دخل المعلم إلى الفصل، لكنه لم يبدأ الدرس مباشرة. وضع حقيبته على الطاولة، ثم أخرج منها ورقة مطوية بعناية، وقال إن المدرسة تلقت صباحًا رسالة من الإدارة تطلب الانتباه إلى أوضاع الطرق وبعض المناطق المنخفضة بعد الأمطار. لم تكن الرسالة مخيفة، ولم تتحدث عن كارثة، لكنها كانت كافية لتجعل الأطفال يدركون أن المطر الذي رأوه من نافذة المدرسة لم يكن مجرد منظر في السماء.
قال المعلم: «أحيانًا تبدأ القصة من شيء صغير جدًا.»
ثم نظر إلى إستيلا.
«مثل أن يقول أحدكم: الماء اليوم مختلف.»
لم تبتسم إستيلا؛ فقد شعرت أن الجملة التي قالتها بدأت تأخذ معنى أكبر مما قصدت.
كان ذلك الوقت في جوبا مختلفًا عن السنوات التي سبقته. اتفاقية السلام الشامل التي وُقعت في نيروبي عام 2005 كانت قد فتحت بابًا لمرحلة انتقالية جديدة، وكانت المدينة تعيش على إيقاع سياسي وإنساني متسارع. مؤسسات دولية وأممية ومنظمات إنسانية كانت تعمل في المدينة، وكان أسر الأطفال جزءًا من هذا العالم. كان الحديث عن السلام والاستفتاء ومستقبل جنوب السودان حاضرًا في بيوت كثيرة، حتى لو لم يفهم الأطفال جميع تفاصيله. كان الكبار يتحدثون عن المستقبل كما لو أنه شيء قريب جدًا، وفي الوقت نفسه كان العمل الإنساني يذكّرهم كل يوم بأن الماضي لم ينتهِ بالكامل.
كان آباء الأطفال يعرفون أن أي اضطراب في الطرق أو المياه أو الغذاء يمكن أن يتحول بسرعة إلى مشكلة أكبر. ولذلك لم يكن المطر بالنسبة إليهم مجرد حالة جوية؛ بل كان أحد المتغيرات التي يجب مراقبتها.
أما الأطفال، فقد كانوا على وشك اكتشاف أن هذا ينطبق على المناخ أيضًا.
في تلك الحصة، لم يحمل المعلم كتابًا. أخذ المجسم الكروي للأرض ووضعه على الطاولة، ثم قال: «أريد أن نبدأ من المطر الذي رأيناه أمس.»
قال سامر: «قلت لك إنه مطر عادي.»
رد المعلم: «ربما. لكن كيف نعرف؟»
لم يجد سامر جوابًا.
قال المعلم: «وهذه هي بداية علم المناخ.»
أمسك الكرة الأرضية وأدارها ببطء: «إذا أردنا أن نفهم المطر، علينا أن نفهم أولًا الطاقة التي تحرك النظام كله. الشمس هي المصدر الأساسي للطاقة التي تصل إلى الأرض، لكنها لا تسخن سطح الأرض بالطريقة نفسها في كل مكان. الأرض كروية، وأشعة الشمس تصل إلى مناطق مختلفة بزوايا مختلفة، ولذلك تختلف كمية الطاقة التي تستقبلها الأماكن المختلفة. ثم تقوم حركة الغلاف الجوي والمحيطات بإعادة توزيع الحرارة والطاقة حول الكوكب.»
كانت مريم تنظر إلى الكرة الأرضية باهتمام، وقالت: «إذن بورتسودان ومدني والأبيض وجوبا لا تستقبل الطاقة بالطريقة نفسها؟»
«صحيح.»
وأضاف المعلم: «وهذا أحد أسباب اختلاف البيئات والمناخات. لكن القصة لا تتوقف عند الشمس.»
رسم سهمًا يدخل إلى الأرض وسهمًا آخر يخرج منها.
«الأرض تستقبل الطاقة وتفقد الطاقة. يصل إليها الإشعاع الشمسي، ويمتص سطحها جزءًا منه، ثم تعيد الأرض إطلاق الطاقة إلى الفضاء في صورة إشعاع حراري. وهنا يأتي دور الغلاف الجوي.»
قال ليو: «هل هو مثل البطانية؟»
ابتسم المعلم: «التشبيه مفيد، بشرط ألا نأخذه حرفيًا. الغلاف الجوي لا يعمل كغطاء بسيط؛ فبعض الغازات الموجودة فيه تستطيع امتصاص جزء من الأشعة تحت الحمراء التي تطلقها الأرض، ثم تعيد إصدار الطاقة في اتجاهات مختلفة، ومنها نحو سطح الأرض. وهذا هو أساس تأثير الاحتباس الحراري الطبيعي.»
كتب على السبورة:
الاحتباس الحراري الطبيعي ضروري للحياة.
ثم أضاف:
المشكلة تبدأ عندما يتغير توازن النظام.
قالت سلمى: «يعني الاحتباس الحراري ليس هو تغير المناخ؟»
«بالضبط. الاحتباس الحراري الطبيعي ظاهرة طبيعية ضرورية لجعل الأرض صالحة للحياة. أما الاحترار العالمي الحديث فهو زيادة طويلة الأمد في متوسط حرارة سطح الأرض، ويرتبط أساسًا بزيادة تركيز غازات الدفيئة الناتجة بدرجة كبيرة عن الأنشطة البشرية. وتغير المناخ أوسع من مجرد ارتفاع درجة الحرارة؛ إنه يشمل تغيرات في أنماط الحرارة والأمطار والرياح والجليد والمحيطات وغيرها من مكونات النظام المناخي.»
رفع سامر يده: «لكن كيف يستطيع الإنسان تغيير شيء كبير مثل مناخ الأرض؟»
هنا أصبح صوت المطر خارج الفصل أكثر وضوحًا.
قال المعلم: «هذا هو السؤال الذي سيأخذنا بعيدًا.»
كتب على السبورة:
ثاني أكسيد الكربون.
ثم كتب:
الميثان.
ثم:
أكسيد النيتروز.
وقال: «هذه من غازات الدفيئة المهمة. وجودها في الغلاف الجوي ليس جديدًا، وبعضها جزء طبيعي من النظام الأرضي. لكن الإنسان يستطيع أن يزيد تركيزاتها بسرعة كبيرة من خلال حرق الفحم والنفط والغاز، وتغير استخدامات الأراضي، والزراعة وتربية الماشية، وإدارة النفايات، وغيرها من الأنشطة.»
قال ليو: «لكن الأشجار تأخذ ثاني أكسيد الكربون.»
«نعم.»
«إذن لماذا لا تحل الأشجار المشكلة؟»
أجاب المعلم: «لأن القصة أكبر من ذلك. النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون، والمحيطات تتبادل الكربون مع الغلاف الجوي، والتربة تخزن الكربون، وهناك دورة طبيعية كاملة للكربون بين الغلاف الجوي والمحيطات والكائنات الحية والتربة والصخور. لكن الإنسان يضيف إلى الغلاف الجوي كميات كبيرة من الكربون الذي كان مخزنًا في باطن الأرض منذ ملايين السنين، وبسرعة تجعل النظام يختل. لذلك فإن حماية الغابات واستعادتها مهمة جدًا، لكنها ليست بديلًا عن خفض الانبعاثات من مصادرها.»
كانت مريم تكتب بسرعة، وقالت: «إذن المناخ مثل شبكة؟»
«نعم. وهذه من أهم الكلمات التي يجب أن تتذكروها. النظام المناخي شبكة من العلاقات؛ المحيطات والغلاف الجوي واليابسة والجليد والكائنات الحية ليست أجزاء منفصلة تمامًا. عندما يتغير أحدها، يمكن أن تتأثر الأجزاء الأخرى.»
رفع سامر رأسه: «لكن المطر الذي حدث أمس لا يعني أن المناخ تغير، أليس كذلك؟»
نظر إليه المعلم بإعجاب: «أحسنت. هذه نقطة أساسية.»
ثم كتب على السبورة:
الطقس ≠ المناخ.
قال: «الطقس هو حالة الغلاف الجوي خلال فترة قصيرة: المطر اليوم، درجة الحرارة هذا الصباح، سرعة الرياح، الغيوم. أما المناخ فهو أنماط هذه الحالات عندما ننظر إليها على مدى طويل. لذلك لا يمكننا أن نقول إن تغير المناخ حدث لأن يومًا واحدًا كان شديد الحرارة أو لأن عاصفة قوية ضربت مكانًا ما. نحتاج إلى سجلات طويلة، ومقارنات، وتحليل إحصائي، وأدلة متعددة.»
سألت سلمى: «إذن ماذا نفعل إذا أردنا معرفة ما إذا كان المطر يتغير؟»
أجاب: «نقارن. نحتاج إلى سجلات طويلة للأمطار ودرجات الحرارة، وننظر إلى الاتجاهات والتغيرات في التوزيع والتكرار والشدة، ونقارنها بالفترات السابقة، ونستخدم النماذج المناخية والأدلة الأخرى عندما نريد فهم الأسباب.»
سأل ليو: «والذكريات؟»
قال المعلم: «مهمة، لكنها ليست كافية وحدها.»
«لماذا؟»
«لأن ذاكرة الإنسان انتقائية. قد يتذكر شخص سنة كان فيها المطر شديدًا جدًا، وينسى عشر سنوات أخرى كانت أقرب إلى المعتاد. لذلك يمكن أن تكون ذاكرة الناس بداية لسؤال علمي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تغير المناخ.»
نظرت إستيلا إلى المعلم: «إذن ما قاله الناس عن المطر مهم؟»
«مهم جدًا، إذا عرفنا كيف نضعه في مكانه الصحيح إلى جانب البيانات.»
في تلك اللحظة طرق أحد العاملين في المدرسة الباب، وأخبر المعلم أن جزءًا من الطريق المؤدي إلى المدرسة أصبح صعب المرور بسبب تجمع المياه. لم يكن الأمر خطيرًا، لكنه كان كافيًا لتغيير جدول اليوم؛ بعض الأطفال سيغادرون مبكرًا، وآخرون سيبقون حتى تتأكد الإدارة من سهولة المرور.
خرج المعلم من الفصل لبضع دقائق.
نظر سامر إلى أصدقائه وقال: «كل هذا بسبب المطر؟»
قالت مريم: «ليس المطر وحده. ربما الطريق أيضًا.»
قالت سلمى: «وربما المكان الذي تجمع فيه الماء.»
قال ليو: «وربما كمية المطر.»
أما إستيلا فقالت: «وربما كل هذه الأشياء معًا.»
نظروا إليها. كان هذا بالضبط ما قاله المعلم عن المناخ. لم يكن الخطر يعيش في عنصر واحد، بل في العلاقة بين العناصر.
في نهاية اليوم، وصل والد سامر إلى المدرسة. كان متأخرًا قليلًا، وعلى وجهه علامات التعب. أخبره المعلم أن بعض الطرق كانت مزدحمة بسبب المياه، وأن المدرسة اتخذت احتياطاتها. لم يبدُ الأمر بالنسبة للرجل استثنائيًا، لكنه سأل عن الأطفال واحدًا واحدًا، ثم اصطحب سامر معه.
في السيارة، بقي سامر صامتًا للحظات، ثم سأل: «أبي، هل كان المطر عندما كنت طفلًا مثل المطر الآن؟»
نظر والده إليه، ثم ضحك: «لماذا تسأل؟»
«لدينا واجب.»
«واجب عن ماذا؟»
«عن المناخ.»
صمت الأب لحظة، ثم قال: «المناخ؟ هذا موضوع كبير.»
«المعلم يقول إن علينا أن نسأل عن الماضي.»
فكر الأب قليلًا: «أتذكر أشياء كثيرة عن المطر. لكن إذا أردت أن تعرف هل تغير المناخ فعلًا، فلا يكفي أن تسألني.»
ابتسم سامر: «المعلم قال ذلك أيضًا.»
قال والده: «إذن يبدو أن معلمك يعرف ماذا يفعل.»
في المساء، بدأ الأطفال تنفيذ المهمة.
في بيت مريم، تحدثت مع والدتها عن بورتسودان والبحر والحرارة والرياح. وفي بيت سلمى، بدأ الحديث عن الأبيض ومواسم المطر والأرض وما يتذكره كبار الأسرة عن السنوات الجافة والرطبة. وفي بيت سامر، دار الحديث عن مدني والنيل والزراعة، وعن السنوات التي كان فيها المطر يأتي في أوقات مختلفة. وفي بيت ليو، دخلت البرازيل إلى الحكاية من جديد؛ الغابات المطيرة، الأنهار، والأمازون الذي لم يكن بالنسبة إلى أسرته مجرد مكان بعيد، بل جزءًا من سؤال عالمي عن الغابات والكربون والمناخ.
أما إستيلا، فجلست إلى جوار نافذة بيتها تستمع إلى بقايا الماء في الشارع. كانت تسمع قطرات متفرقة تسقط من الأشجار، ثم قالت لأمها: «هل كان المطر هكذا عندما كنت صغيرة؟»
أجابتها أمها: «أي مطر تقصدين؟»
«المطر.»
صمتت الأم قليلًا، ثم قالت: «لا أعرف إن كان مختلفًا. أحيانًا أشعر أن السنوات تغيرت، لكن الشعور وحده لا يكفي.»
وضعت إستيلا يدها على دفترها. كانت تعرف الآن أن السؤال أكبر من الذاكرة.
وفي اليوم التالي عاد الأطفال إلى المدرسة ومعهم قصص مختلفة. لم تتفق القصص، وهذا جعلهم أكثر فضولًا.
قال سامر: «والدي يقول إن بعض السنوات كانت مختلفة.»
قالت سلمى: «وأمي تقول إن الناس يتذكرون سنوات معينة أكثر من غيرها.»
قالت مريم: «والدتي قالت إن البحر يجعل الطقس في بورتسودان مختلفًا عن الداخل.»
قال ليو: «والدي قال إن الغابات والمحيطات تخزن كميات هائلة من الكربون.»
أما إستيلا فقالت: «وأمي قالت إن الشعور وحده لا يكفي.»
وضع المعلم الأوراق الخمس أمامه، ثم قال: «الآن بدأتم العمل الحقيقي.»
قال سامر: «ماذا تقصد؟»
«أنتم لا تبحثون عن قصة جميلة. أنتم تبحثون عن حقيقة.»
أشار إلى الأوراق: «لدينا ذاكرة، ولدينا ملاحظات، ولدينا أماكن مختلفة. لكننا نحتاج إلى بيانات.»
ثم أخرج من حقيبته مجموعة من الأوراق القديمة، بعضها يحتوي على جداول وأرقام، وبعضها يحمل تواريخ وأسماء محطات ومناطق. نظر الأطفال إليها بدهشة.
قالت مريم: «ما هذه؟»
قال المعلم: «سجلات مناخية.»
اقتربوا جميعًا من الطاولة. كانت الأرقام كثيرة، متراصة في جداول طويلة؛ درجات حرارة، كميات أمطار، تواريخ، أشهر وسنوات. لم تبدُ الأرقام في البداية مثيرة، لكنها كانت تحمل شيئًا لم تكن القصص التي سمعوها في بيوتهم تملكه؛ كانت تحمل أثرًا للماضي يمكن قياسه.
مدت سلمى يدها نحو إحدى الأوراق، ثم توقفت وقالت: «هذه من أي مكان؟»
أجاب المعلم: «هذا ما سنكتشفه.»
أخذ سامر ورقة أخرى: «وهذه؟»
قال المعلم: «اقرأ التاريخ.»
قرأه سامر بصوت منخفض، ثم رفع رأسه: «هذا قبل أن نولد.»
قال المعلم: «بالضبط.»
كان ليو يقلب الأوراق بحذر، بينما راحت مريم تقارن بين التواريخ. أما إستيلا فوضعت أصابعها على حافة إحدى الصفحات، وكأنها تحاول أن تسمع شيئًا خلف الأرقام.
قالت سلمى: «هل يمكن أن تخبرنا هذه الأوراق إذا كان المناخ قد تغير؟»
نظر المعلم إلى الأطفال الخمسة، ثم جمع الأوراق أمامه: «يمكن أن تخبرنا جزءًا من القصة.»
سألت مريم: «وجزء القصة الآخر؟»
قال: «علينا أن نبحث عنه.»
رفع ورقة واحدة: «العلم لا يبدأ عندما نجد الإجابة. العلم يبدأ عندما نعرف كيف نطرح السؤال.»
ثم أضاف: «وأنتم الآن أمام سؤال كبير جدًا.»
لم يقل لهم ما هو. فقط أعاد الأوراق إلى الطاولة، وطلب منهم أن ينظروا إلى السنوات والتواريخ قبل أن يغادروا الفصل.
بقي الأطفال حول الطاولة. خارج النافذة كانت الشمس قد عادت، وجفت أجزاء من ساحة المدرسة، وبدأت جوبا تستعيد إيقاعها المعتاد. السيارات تمر، والناس يتحركون، والأصوات تتداخل كما لو أن المطر لم يحدث أصلًا.
لكن الأطفال لم يعودوا يرون اليوم بالطريقة نفسها؛ فالمطر الذي كان بالأمس مجرد مطر أصبح سؤالًا، والسؤال أصبح أرقامًا، والأرقام بدأت تفتح بابًا إلى الماضي.
وفي ذلك المساء، حمل كل واحد منهم إلى بيته نسخة من جدول المناخ الذي أعطاه المعلم. لم يكن أحد يعرف ماذا ستكشف الأرقام، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا لهم جميعًا: إذا كان الطقس قصة يوم واحد، فإن المناخ قصة تمتد عبر الزمن. والآن، للمرة الأولى، أصبح لديهم جزء من تلك القصة بين أيديهم.
أما الجزء الذي لم يعرفوه بعد، فكان أخطر بكثير. فبين الأعمدة القديمة للأمطار ودرجات الحرارة، كانت هناك سنوات تبدو عادية، وأخرى مختلفة، وفجوات صغيرة لم يفهموا معناها. وكان على الأطفال الخمسة أن يكتشفوا بأنفسهم لماذا تبدو بعض الأرقام وكأنها بدأت تتحرك.
وفي صباح اليوم التالي، عندما فتح المعلم أول ملف من الملفات القديمة، وجد في الصفحة الأولى تاريخًا جعل وجهه يتغير قليلًا.
لم يسأل الأطفال لماذا، فقط قال: «قبل أن نبدأ، أريد منكم أن تفهموا شيئًا واحدًا.»
رفع الملف أمامهم: «هذه ليست أرقامًا فقط.»
ثم وضعه على الطاولة: «هذه ذاكرة الأرض.»
ولم يكن أحد منهم يعرف أن قراءة تلك الذاكرة ستقودهم، خطوة بعد أخرى، إلى السؤال الذي سيغير فهمهم للعالم كله:
متى بدأ الإنسان يغيّر المناخ؟
بيئة
خمسة أصدقاء والمناخ سادسهم_ الجزء الثالث