وحيد محجوب
الحلقة الرابعة: حين كبرت الأسئلة
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية، والمعلومات العلمية، والأماكن، والسياقات السياسية والاجتماعية فتستند إلى الواقع.
في هذه الحلقة تبدأ الرحلة الزمنية للأصدقاء الخمسة؛ فالطفولة التي بدأت بالسؤال عن المطر تبتعد قليلًا، لكن السؤال نفسه يكبر معهم، حتى يتحول من فضول مدرسي إلى سؤال عن الإنسان والكوكب والسياسة ومستقبل الوطن.
مرت السنوات أسرع مما توقعوا. لم يعد الفناء الصغير في جوبا هو العالم كله، ولم تعد دفاتر المدرسة هي المكان الوحيد الذي يكتبون فيه أسئلتهم. تغيرت أصواتهم، وتغيرت طريقة حديثهم، وكبرت المسافة بين ما كانوا يعرفونه وما يريدون أن يعرفوه. لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو: كلما بدأ المطر، كانت إستيلا تصغي بطريقة تجعل الآخرين يصمتون معها. كانت قد كبرت هي الأخرى، وصارت أكثر قدرة على وصف الأشياء التي لا تحتاج إلى عينين لكي تُرى. لم تعد تقول فقط إن الماء مختلف، بل بدأت تسأل: مختلف عن ماذا؟ وعن أي سنة؟ وهل كان مختلفًا قبل عشر سنوات؟ وهل يمكن للذاكرة أن تخبرنا بشيء لا نستطيع رؤيته في يوم واحد؟
في إحدى الأمسيات، اجتمع الأصدقاء بعد فترة من التباعد الذي فرضته الدراسة وانتقال بعض الأسر بين المدن. كانت الخرائط والدفاتر قد حلت محل ألعاب الطفولة، لكنهم ظلوا يحتفظون بذلك الدفتر القديم الذي أعطتهم إياه المدرسة في جوبا. فتح سامر الصفحات الأولى، فظهرت أمامهم أرقام درجات الحرارة وكميات الأمطار وتواريخ القياس. ضحكت مريم عندما رأت بعض الملاحظات التي كتبتها بخط طفولي، بينما حاولت سلمى أن تقارن بين السنوات التي بدت في ذاكرتها أكثر جفافًا وتلك التي بدت أكثر مطرًا.
قال ليو وهو يقلب الصفحات: «كنا نعتقد أننا نبحث عن المطر.»
أجاب سامر: «والآن؟»
ابتسم ليو: «أظن أننا نبحث عن الزمن.»
كان ذلك أقرب إلى الحقيقة مما أدركوا في تلك اللحظة.
شرح لهم معلمهم القديم، الذي ظل يتابع أسئلتهم كلما عادوا إلى جوبا، أن سجلًا مناخيًا واحدًا لا يخبرنا بالمناخ. سنة جافة لا تعني أن المناخ تغير، وسنة شديدة المطر لا تعني أن العالم أصبح أكثر رطوبة. المناخ لا يُقرأ من حادثة منفردة، بل من أنماط طويلة الأمد، ومن متوسطات وتغيرات وتكرار للأحداث المتطرفة واتجاهات يمكن اختبارها إحصائيًا. لذلك يحتاج العلماء إلى سجلات تمتد لعقود، وأحيانًا إلى أدلة تتجاوز عمر الإنسان نفسه.
هنا عاد السؤال القديم إلى الطاولة، ولكن بصورة أكثر نضجًا: ماذا لو لم تكن لدينا سجلات مكتوبة تمتد إلى آلاف السنين؟ كيف يمكن للعلماء أن يعرفوا شيئًا عن مناخ عاش قبل وجود محطات الأرصاد؟
أخرج المعلم مجموعة من الصور والرسومات. كانت هناك حلقات أشجار، وعينات من الجليد، وشعاب مرجانية، وطبقات من الرواسب. قال لهم إن الأرض تحتفظ بذاكرتها في أشياء كثيرة. حلقات الأشجار يمكن أن تقدم معلومات عن ظروف النمو في سنوات مختلفة، واللُّبّ الجليدي يحبس فقاعات صغيرة من الهواء القديم يمكن تحليلها لمعرفة تركيب الغلاف الجوي في أزمنة سابقة، كما تحمل الشعاب المرجانية والرواسب مؤشرات تساعد العلماء على إعادة بناء جوانب من المناخ القديم.
قالت مريم: «إذن الأرضُ تحتفظ بسجلها بنفسها؟»
«نعم»، أجاب المعلم، «لكن علينا أن نتعلم كيف نقرأه.»
تذكرت إستيلا العبارة التي قالها لهم ذات يوم: «هذه ذاكرة الأرض.»
لكن هذه المرة فهمت أنها ليست استعارة فقط. كانت الأرض بالفعل تحمل أدلة على ماضيها.
بدأوا يتعلمون أن العلماء لا يعتمدون على دليل واحد. فكلما أراد العلم أن يفهم تغيرًا كبيرًا، جمع خطوطًا متعددة من الأدلة، ثم قارن بينها. سجلات محطات الأرصاد، وقياسات المحيطات، والأنهار الجليدية، وحلقات الأشجار، والعيّنات الجليدية، والرواسب، وتغيرات مستوى سطح البحر، وتركيب الغلاف الجوي؛ كلها قطع مختلفة من صورة واحدة.
لكن الصورة أصبحت أكثر إثارة للقلق عندما بدأوا ينظرون إلى الغلاف الجوي نفسه.
في إحدى الجلسات، رسم المعلم الشمس على طرف اللوح، ثم رسم الأرض، ثم أسهمًا تمثل الطاقة القادمة من الشمس. شرح لهم أن الشمس هي المصدر الرئيسي للطاقة التي تحرك النظام المناخي للأرض، وأن شكل الكوكب يجعل توزيع هذه الطاقة غير متساوٍ بين المناطق. المناطق المدارية تستقبل طاقة شمسية أكبر في المتوسط من المناطق القريبة من القطبين، ولذلك لا تبقى الطاقة ساكنة في مكانها؛ فالغلاف الجوي والمحيطات ينقلان الحرارة والطاقة من مناطق إلى أخرى، في نظام معقد من التفاعلات.
ثم رسم سهمًا آخر يخرج من سطح الأرض نحو الفضاء.
قال: «الأرض لا تستقبل الطاقة فقط، هي تفقد الطاقة أيضًا. سطح الأرض يمتص جزءًا من الطاقة الشمسية، ثم يعيد إصدار الطاقة على هيئة إشعاع حراري، أي إشعاع تحت أحمر.»
توقفت سلمى عند الكلمة: «وتأتي الغازات الدفيئة؟»
أومأ المعلم.
كانت تلك بداية فهمهم لواحدة من أهم الأفكار في علم المناخ. بعض الغازات الموجودة في الغلاف الجوي تستطيع امتصاص جزء من الإشعاع تحت الأحمر ثم إعادة إصداره. وبهذه الطريقة يعمل الغلاف الجوي كجزء من النظام الذي يحافظ على حرارة الأرض ضمن نطاق يسمح بالحياة. ومن دون التأثير الطبيعي للغازات الدفيئة، ستكون الأرض أبرد بكثير مما هي عليه اليوم.
لكن المشكلة لم تكن في وجود التأثير الدفيئي الطبيعي.
المشكلة بدأت عندما أخذ الإنسان يغير تركيبة الغلاف الجوي بسرعة كبيرة.
كان ثاني أكسيد الكربون في مقدمة القصة، إلى جانب الميثان وأكسيد النيتروز وغيرهما من الغازات الدفيئة. ومع حرق الفحم والنفط والغاز، ومع تغير استخدامات الأراضي وإزالة الغابات وبعض أنشطة الزراعة وتربية الماشية وإدارة النفايات، بدأ الإنسان يضيف كميات كبيرة من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي.
لم يكن الأمر مجرد إضافة غاز إلى الهواء.
كان الإنسان ينقل الكربون الذي ظل مخزنًا في باطن الأرض لملايين السنين إلى الغلاف الجوي خلال فترة قصيرة نسبيًا في تاريخ الكوكب.
قال ليو، وقد بدا عليه التفكير: «إذن نحن لا نضيف شيئًا جديدًا إلى الأرض، بل نغيّر مكان الكربون وسرعة دخوله إلى النظام؟»
قال المعلم: «هذه طريقة جيدة لفهم المسألة.»
كانت دورة الكربون أكثر تعقيدًا مما تصوروا. فالكربون يتحرك باستمرار بين الغلاف الجوي والمحيطات والنباتات والتربة والصخور والكائنات الحية. لكن الإنسان بدأ يغير هذا التوازن بإضافة كربون أحفوري إلى الدورة النشطة بسرعة كبيرة.
قال سامر: «وماذا عن الأشجار؟ إذا كانت تمتص ثاني أكسيد الكربون، ألا تستطيع حل المشكلة؟»
هز المعلم رأسه: «الغابات مهمة جدًا. واستعادة الغطاء النباتي، والتشجير وإعادة التشجير، والزراعة الحراجية، واستعادة الأراضي الرطبة، والإدارة المستدامة للأراضي كلها يمكن أن تساعد في إزالة أو تخزين جزء من الكربون. لكن لا يمكننا التعامل مع الأشجار باعتبارها بديلًا عن خفض الانبعاثات من مصادرها. هناك حدود لما تستطيع النظم الطبيعية امتصاصه وتخزينه، كما أن الكربون المخزن في النظم البيئية يمكن أن يعود إلى الغلاف الجوي إذا تدهورت هذه النظم.»
ساد الصمت.
كانوا قد بدأوا الرحلة بالمطر، ثم وصلوا إلى الشمس والغلاف الجوي والكربون.
لكن السؤال الأصعب لم يكن قد ظهر بعد.
قالت مريم: «إذا كان المناخ يتغير طبيعيًا أيضًا، فكيف نعرف أن الإنسان هو السبب هذه المرة؟»
رفع المعلم نظره عن الأوراق: «هذا هو السؤال الذي أخذ العلماء عقودًا للإجابة عنه.»
جلس الأصدقاء حول الطاولة. هذه المرة لم يكن الأمر يتعلق بفهم ظاهرة طبيعية فقط، بل بالتمييز بين الأسباب المختلفة التي يمكن أن تغير المناخ. فالأرض عرفت تغيرات مناخية طبيعية عبر تاريخها الطويل، ارتبط بعضها بتغيرات في النشاط الشمسي، وثورات بركانية كبيرة، وتغيرات في مدارات الأرض، وتفاعلات بين المحيطات والغلاف الجوي وغيرها من العوامل.
لكن العلم لا يسأل فقط: هل يوجد تغير؟ بل يسأل: ما الذي يمكن أن يفسر هذا التغير؟
بدأ العلماء يقارنون النماذج والمشاهدات. فإذا كان التغير ناتجًا عن عامل طبيعي معين، فمن المفترض أن تظهر له بصمات محددة في النظام المناخي. وإذا أضيف تأثير الإنسان، فينبغي أن تظهر بصمات أخرى.
وهكذا انتقل علم المناخ من مجرد تسجيل درجات الحرارة إلى البحث عن بصمة السبب.
كان ارتفاع تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي أحد الأدلة المهمة، لكن العلماء لم يتوقفوا عنده. قارنوا بين ما يحدث فعليًا في الغلاف الجوي والمحيطات والجليد واليابسة، وبين ما كان يمكن أن يحدث لو كانت العوامل الطبيعية وحدها هي المؤثرة.
وكانت النتيجة تتضح شيئًا فشيئًا: الاحترار الذي شهده العصر الحديث لا يمكن تفسيره بالعوامل الطبيعية وحدها. كانت بصمة النشاط البشري ضرورية لفهم الاتجاه العام للتغير.
نظر سامر إلى الدفتر القديم: «إذن المطر الذي سألنا عنه في البداية كان مجرد باب.»
قالت إستيلا بهدوء: «بابٌ إلى شيء أكبر.»
لم يختلف معها أحد.
في تلك السنوات كان العالم نفسه يبدأ في بناء لغة جديدة للتعامل مع هذه المسألة. لم يعد تغير المناخ موضوعًا خاصًا بعلماء منفردين أو مختبرات متفرقة. كانت الحاجة تزداد إلى تعاون دولي يجمع العلماء، ويقارن البيانات، ويقيّم الأدلة، ثم يقدم المعرفة لصانعي القرار.
بدأ الأصدقاء يسمعون أسماء مؤسسات لم تكن تعني لهم شيئًا من قبل: المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ثم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم المؤسسات في تقييم المعرفة العلمية المتعلقة بتغير المناخ.
كانت الفكرة الجديدة مختلفة عن كل ما عرفوه في طفولتهم: العلم لم يعد يعيش في المختبر وحده، كان يتجه نحو الأمم المتحدة، نحو الحكومات، نحو طاولات التفاوض.
وفي الوقت نفسه، كان العالم السياسي يتغير هو الآخر؛ فالقضية التي بدأت بقياس الحرارة وتركيز الغازات في الغلاف الجوي أصبحت تمس الطاقة والاقتصاد والتنمية والزراعة والمياه والأمن الغذائي، ثم بدأت تطرح سؤالًا أكثر حساسية: من يتحمل المسؤولية؟ ومن يدفع ثمن الأضرار؟ ومن يملك المال والتكنولوجيا اللازمة للاستجابة؟
فتح ليو خريطة العالم ووضع إصبعه على الأمازون، ثم انتقل إلى حوض النيل، ثم إلى شرق السودان، ثم إلى جنوب السودان.
قال: «إذا كان المناخ نظامًا واحدًا، فلماذا تبدو المعاناة مختلفة من مكان إلى آخر؟»
لم يجب أحد؛ كان السؤال أكبر من أعمارهم.
وفي مكان آخر من العالم، كانت الحكومات تبدأ بالفعل في محاولة بناء إطار دولي للتعامل مع المشكلة.
لم يكن الأصدقاء يعرفون آنذاك أن الطريق الذي بدأ من دفتر صغير في مدرسة بجوبا سيقودهم يومًا إلى أسماء ستصبح جزءًا من قاموس حياتهم:
• UNFCCC
• COP
• Kyoto
• Paris
لكن قبل أن يصلوا إلى تلك القاعات، كان عليهم أن يفهموا شيئًا أكثر تعقيدًا: كيف انتقل تغير المناخ من حقيقة علمية إلى قضية سياسية دولية؟
وكان ذلك هو السؤال الذي سيأخذهم إلى العالم الذي لا تكفي فيه الأدلة العلمية وحدها؛ لأن الحقيقة عندما تدخل السياسة تبدأ رحلة أخرى تمامًا.
بيئة
خمسة أصدقاء والمناخُ سادسُهم- الحلقة الرابعة