بقلم : رؤى هشام
الهاتف الذي صار كل شيء
في السودان اليوم، الهاتف أكثر من جهاز اتصال؛ هو مصرفنا حين نحوّل عبر «بنكك»، وسوقنا، وجسرنا إلى أسرة تفرّقت بين الولايات والمنافي، ومصدر أخبارنا عن الطرق الآمنة والمساعدات والمفقودين، وفي مجموعات الواتساب يجتمع الحي كله من جديد. وحين تمرّ حياة بأكملها عبر شاشة صغيرة، يصبح لمن يرى هذه الشاشة سلطان كبير. ولهذا يستحق السؤال البسيط أن يُطرح بصوت عالٍ: ماذا تعني الخصوصية على الإنترنت حقًا، ولماذا تلاحقنا الإعلانات والمحتالون، ومن يستفيد حين نفقد السيطرة على بياناتنا؟
ماذا تعني «الخصوصية» عندنا نحن؟
الخصوصية ليست الاختباء، بل هي الاختيار؛ أن تقرر أنت من يعرف ماذا عنك، وماذا يحق له أن يفعل بذلك. وفي مراحل الحرب والنزوح، تصبح المعلومة الصغيرة ثقيلة؛ فرقم هاتفك، وموقعك الذي لجأت إليه، وأسماء أقاربك في جهات الاتصال، وصور بطاقتك أو جوازك، وقائمة من يحوّل إليك المال، كل ذلك يبدو عاديًا في محادثة مع صديق، لكنه في يد الغريب يمكن أن يصبح وسيلة للابتزاز أو المضايقة أو الاحتيال. فلنتخيّل البيت السوداني: تفتح باب الديوان لضيفك وتكرمه، لكنك لا تفتح له غرف النوم، ولا تسلّم غريبًا مفاتيح البيت كله. الخصوصية هي حقك في أن تعرف من دخل وماذا رأى، وفي أن تبقي بعض الأبواب مغلقة.
لماذا تملأ الإعلانات شاشاتنا؟
تشغيل تطبيق أو شبكة اجتماعية يكلّف مالًا كثيرًا، وإذا كنت لا تدفع نقدًا مقابل فيسبوك أو واتساب أو يوتيوب، فهناك من يدفع بدلاً عنك، وهو المعلِن. المعلنون يشترون شيئين: انتباهك، ومعلومات عنك؛ لذلك تُصمَّم التطبيقات لتبقيك تتصفح طويلًا، ولتسجّل ما تفعله: ماذا تبحث، ومن تتابع، وأين تسكن، ومن هذه السجلات يُبنى ملف إعلاني عنك. ولذلك تلاحق الدائرين منا في مواقع التواصل إعلانات السفر والتأشيرات والتحويلات والحوالات والقروض، حسب ما تظنّ المنصات أنه يناسبنا. ويختصر ذلك قول مشهور: إذا كانت الخدمة مجانية، فقد تكون أنت السلعة. الإعلانات ليست شرًا بذاتها، وكثير من الخدمات التي نعتمد عليها في حياتنا تعتمد عليها، لكن المشكلة تبدأ حين يكون جمع البيانات خفيًّا أو بلا حدود أو مشارَكًا مع شركات لا نعرفها، وحين لا يعرف أكثرنا أن له حقًا في أن يسأل. عندها لا نكون نختار، بل نكون من يُقاس.
لماذا يكثر الاحتيال وكيف يتخفّى بيننا؟
المحتالون لا يحتاجون أن يكونوا قراصنة عباقرة؛ يكفي أن يكونوا مقنعين، والمعلومات الشخصية تجعلهم مقنعين؛ فغريب يعرف اسمك أو اسم مصرفك أو اسم ابن عمك يبدو كصديق. ومنذ أن صار الهاتف بديلًا عن الدكان والمصرف، تعلّم المحتالون لغتنا عبر أنماط يعرفها كثير من السودانيين.
من هذه الأنماط إيصال التحويل المزوّر؛ حيث يرسل لك شخص لقطة شاشة لتحويل عبر «بنكك» ويقول إن المبلغ وصلك، فتسلّمه البضاعة أو تردّ له «الفائض»، مع أن الصورة لا تثبت شيئًا، والأصل أن تفتح التطبيق وتتحقق من رصيدك بنفسك. وتأتي أحيانًا رسالة تبدو من «بنكك» أو من أي تطبيق مصرفي تقول إن حسابك سيُغلق ما لم ترسل رمزًا أو تضغط على رابط. أو يظهر «قريب» في الخارج أو في ولاية أخرى برقم جديد عالق ويحتاج مالًا بسرعة، مستغلًا قلقك الحقيقي على أهلك في مناطق النزاع. كما ينشر المحتالون العرض الحلم بتقديم تأشيرة أو منحة أو عمل في الخارج أو مساعدة إنسانية أو سكن بديل مقابل «رسوم معالجة» صغيرة، مع أن الجهات الجادّة لا تبيع المساعدة عادةً. وتكتمل الحيل بحيلة رمز واتساب حين يطلب منك أحدهم أن تعيد له الأرقام الستة التي وصلتك بالخطأ، بينما يسمح له هذا الرمز بالاستيلاء على حسابك ومراسلة جهات اتصالك، وخاصة أهلك وجيرانك في مجموعات الحي.
علامات التحذير متشابهة دائمًا تقريبًا: الاستعجال، والسرية، وطلب المال أو الرمز. والمصرف الحقيقي لا يطلب منك رقمك السري أو رمز التحقق. وحين تشعر بأنك تُستعجَل، توقف، واتصل بالشخص أو الجهة بنفسك على رقم تثق به.
الحيل الخفية داخل الشاشة
ليست كل الفخاخ من مجرمين، فبعضها يأتي من شركات معروفة مخبأً في تصميم التطبيق نفسه، ويسميها المصممون «الأنماط الخادعة»، وهي حيل في الواجهة توجّهك نحو ما تريده الشركة لا ما تريده أنت.
لعلك صادفتها في هاتفك من قبل، مثل زر «لا» المخفية حيث تجد زرًا كبيرًا لامعًا لقَبول الكل، بينما خيار الرفض مختبئ بنص صغير رمادي. أو حيلة الساعة الزائفة حين يظهر تنبيه ينتهي العرض بعد دقائق معدودة، ثم يبدأ العد من جديد كلما عدت. وهناك حيلة الاشتراك الذي يُخصم من رصيدك بمجرد ضغط «موافق» على رسالة صغيرة فيبدأ الخصم، أما إيقافه فيحتاج خطوات كثيرة ومكالمات. وكذلك الإذن المفروض حين يرفض تطبيق العمل حتى تمنحه جهات اتصالك وموقعك، مع أنه لا يحتاجهما. وأخيرًا الإضافة المتسلّلة التي تكون عبارة عن منتج إضافي محدد مسبقًا في سلة مشترياتك.
تنجح هذه الحيل لأننا متعبون ومشغولون ونستخدم شاشات صغيرة، وليس ذلك عيبًا فينا. والدفاع عادة هو أن تقرأ النص الصغير قبل أن تضغط، وتبحث عن الزر الأهدأ، وتسأل نفسك ماذا يحدث إن قلت لا.
خطوات صغيرة تبدأ بها اليوم
لا تحتاج أن تكون تقنيًا؛ فبضع عادات تحمي معظم الناس.
أولًا، فعّل التحقق بخطوتين في واتساب وفيسبوك والبريد الإلكتروني، ولا تشارك الرموز مع أحد، حتى مع من يبدو قريبًا. ثاقبًا وحذرًا، لا تصدّق لقطة الشاشة؛ فرصيدك في تطبيق المصرف هو الحقيقة، لا صورة إيصال تصلك عبر واتساب. كذلك احمِ معلوماتك في المجموعات؛ فلا تنشر صورة بطاقتك أو جوازك أو موقع إقامتك أو أسماء أقاربك في مجموعة مفتوحة، وراجع من يرى رقمك وصورتك في إعدادات الخصوصية. وراجع أذونات التطبيقات؛ فتطبيق المصباح لا يحتاج جهات اتصالك ولا موقعك، فأوقف ما لا يلزم. وتوقف دائمًا قبل أن تضغط؛ فالرسائل العاجلة أو السرية أو المغرية أكثر من اللازم تستحق مكالمة أولًا على رقم تعرفه، وعروض التأشيرات والمساعدات التي تطلب رسومًا أولاً تستحق حذرًا أكبر. وأخيرًا، تحدّث في الأمر؛ وأخبر أسرتك وجيرانك، خاصة كبار السن، بشكوك الاحتيال، وانقل التحذير إلى مجموعات الواتساب التي تنتمي إليها.
الخصوصية ليست ترفًا ولا هواية للخبراء؛ إنها حماية لأسرتك ولمالك ولأمانك، وهي مسؤولية نتقاسمها جميعًا. وكلما زاد عدد من يفهمون قواعد اللعبة في مدننا وقرانا ومنافينا، صار أصعب على أي أحد أن يلعب بنا.
المقالات
خصوصيتك على الإنترنت في السودان: الإعلانات والاحتيال والحيل الخفية