ذاكرة المستقبل: غفران حامد
في لحظات الانكسار التاريخي الكبرى، عندما تتهاوى أركان الدولة وتتلاشى مؤسساتها تحت وطأة المدافع، لا تتوقف الحياة بل تعيد ترتيب نفسها من جديد. تتولد من قلب الفوضى العارمة ملامح نظام اجتماعي وإنساني بديل، يتجاوز العشوائية إلى الهندسة الدقيقة. وكما أصلحت فلورنس نايتينغيل ورفيقاتها رعاية الجرحى والمصابين وسط أهوال حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر، لتؤكد أن الإدارة الإنسانية الواعية قادرة على لجم الكوارث، تستند نساء السودان اليوم إلى إرث محلي عريق ضرب بجذوره عميقاً في التاريخ الممتد؛ بدءاً من الأدوار القيادية والتنظيمية لـ "الكنداكات" في إدارة أزمات الحروب والاستقرار، وصولاً إلى التقاليد المجتمعية الراسخة كـ "المياصر" وثقافة النفير والعمل الجماعي في القرى والبوادي والفرقان.
وفي اللحظة الحاسمة للانزلاق نحو الحرب وشلل المؤسسات الكلي مع اندلاع قتال أبريل 2023، لم تنتظر النساء السودانيات قراراً من سلطة غائبة أو منحة من منظمة دولية، بل أخذن المبادرة الميدانية فوراً دون تردد. وفي شهادة تُوثّق الساعات الأولى لشلل العاصمة السودانية، تشير الأخصائية النفسية نجدة إلى تلك اللحظات الفاصلة وتتذكر: «مع بداية انطلاق الطلقات الأولى وصعوبة الحركة خارج حدود الأحياء، أصبحت الاستجابة العاجلة تعتمد كلياً على العون الذاتي، في ظل غياب تام للمنظمات الإنسانية والجهات التنسيقية الرسمية والدولية وحتى الهلال والصليب الأحمر في الأيام الأولى.»
تبرهن هذه الشهادة الحية على حقيقة ناصعة: عندما انسحبت الدولة وأجهزة الرعاية الرسمية من المشهد، لم تتفكك مجتمعات الأحياء، بل بادرت النساء بذكاء تنظيمي وبصيرة استثنائية لبناء شبكات إدارية وتنسيقية متكاملة قامت مقام المؤسسات الغائبة، متجاوزات المفهوم التقليدي لتقديم المساعدات الفردية العفوية إلى هندسة استجابة ميدانية ونفسية وتعليمية شاملة كفلت استمرار الحياة في أحلك الظروف.
أطر تنظيمية على الأرض وفي الفضاء الرقمي
تجلّت هذه الهندسة التنظيمية ابتداءً من الأرض الصلبة داخل العاصمة الخرطوم، حيث جسّدت تجربة "عزّة عبد الله حميدة" نموذجاً بناءً وهيكلة إدارية متكاملة. وعزّة، خريجة التمريض والعلوم الصحية والمتطوعة السابقة في منظمة "شارع الحوادث" وشبكة "صيحة"، صقلت خبرتها الميدانية المباشرة منذ مواجهة جائحة كورونا. ومع تفاقم أحداث حرب أبريل، انضمت فوراً إلى غرفة طوارئ محلية كرري، ليتحول العمل تحت يديها ورفيقاتها من جهد إغاثي فردي إلى هيكل تنظيمي متماسك يضم ستة مكاتب متخصصة: (المكتب النسوي، المكتب المالي، مكتب المتابعة والتقييم، مكتب التنسيق، المكتب التمويني، والمكتب الطبي)؛ وهو نموذج إداري صارم تكرر بدقة في باقي محليات ولاية الخرطوم.
وداخل المكتب النسوي تحديداً، تدار العمليات بآلية دقيقة وصارمة؛ إذ تنتمي عزّة إلى فريق يضم ممثلات عن 12 وحدة إدارية، مع توزيع دوري ومستمر للمهام بحسب متطلبات كل مشروع. يبدأ يومها الفعلي قبل أن يستيقظ الشارع المحاصر، عبر مراجعة الاتصالات، وتوجيه الفرق الميدانية، وضبط المشتريات والاحتياجات الأساسية، وصياغة التقارير التفصيلية التي تنظم الأداء ولا يراها الجمهور الذي يكتفي بمشاهدة الخدمة النهائية. وفي هذا البناء، لا تُتخذ القرارات المفصلية بعشوائية، بل تُرفع بانتظام إلى "مجلس الغرفة" باعتباره القيادة العليا للفصل فيها، في تسلسل هرمي حقيقي يواجه شحاً هائلاً في الموارد وضغوطاً أمنية متزايدة وسط أحياء تضم المئات من الأسر المتعففة التي انقطعت بها سبل العيش.
وفي مقابل هذا الهيكل الهرمي المرتبط بالميدان المباشر، ألهمت الحاجة الملحة نساءً آخريات للجوء إلى الفضاء الرقمي لتجاوز عوائق الجغرافيا والتنقل والحصار الميداني، وهو المسار الذي اتسعت له تجربة "ليندا".
ألهمت تجربة ليندا، الباحثة في الأحياء الجزيئية والصحة العالمية والمتطوعة في مبادرة "تعليم بلا حدود"، المئات من المتطوعين؛ إذ أدارت مع فريقها تجربة "الشعب المعلم" المعتمدة رسمياً بأسلوب إداري حديث يعتمد بالكامل على طبقات متوازية من مجموعات التواصل الفوري (واتساب)، تشمل مجموعات متخصصة للإدارة، والمكاتب، والشُعب الدراسية، وأولياء الأمور. وتشير البيانات التفصيلية للمشروع إلى أن هذا الشريان الرقمي سمح بتجاوز الحدود الجغرافية العابرة للبلدان؛ فليندا التي كانت تقيم في مسقط وتدرس الماجستير وتعمل نهاراً، كانت تدرّس أطفال الصفوف الأولى في منتصف النهار ك بتوقيت السودان.
وكانت المرونة التنظيمية هي السر في ديمومة المشروع؛ فعندما تضغط الامتحانات أو ينقطع اتصال الإنترنت في إحدى المناطق، يغطي الزملاء المتاحون الفراغ فوراً دون خلل بالجدول الدراسي. ورغم منح المشروع شهادات رسمية معترف بها تسند مستقبل الطلاب، تضيف ليندا موصحة روح العمل الجماعي: «نحن جميعاً متطوعون.»
شباك الدعم الطبي والإطعام الميداني
ولم يقتصر هذا الاتصال الشبكي العابر للحدود على مجالي التعليم والرعاية الأولية، بل اتسع ليرتبط بالخدمات الطبية والنفسية الطارئة، كما يتجسد في تجربة الأخصائية النفسية "نجدة".
تدمج نجدة في عملها بين التأسيس المجتمعي المسبق والتشبيك الميداني والدولي المباشر. بدأت مسيرتها الإنسانية قبل الحرب إثر حادثة أليمة بانتحار طالبة بكلية الصيدلة بجامعة الأحفاد؛ فتأسست على الفور مبادرة "تعالوا نساعد بعضنا" للدعم النفسي بالتعاون مع صديقاتها ورفاقها، وامتدت خدماتها التنسيقية مع كيانات صحية بارزة كمبادرة "حداك" ومجموعة "واثق الطبية" والمستشفيات الميدانية لتحويل الحالات الحرجة.
ومع اندلاع الحرب، أسست نجدة وفريقها شبكة دعم صيدلانية وطبية طارئة؛ حيث تولى الصيدلي أمير بالتنسيق مع أطباء وصيادلة رصد احتياجات المرضى والتواصل مع أقرب صيدلية متوفرة لتوفير الأدوية المنقذة للحياة وتدبير الإسعاف للحالات الحرجة، بتغطية مالية ودعم مباشر شارك فيه إدارياً وميدانياً كل من: مزمل محمد التقلاوي، ونميري مجاوري، وأمير، ومنير، ومحمد عثمان، وبتمويل اعتمَد على المساهمات الذاتية ودعم الجالية السودانية في مدينة برستول بالمملكة المتحدة.
وتضيف المصادر الميدانية أن هذا التكامل الإنساني لم يتوقف عند حدود الخرطوم؛ فمع تفاقم الأزمة، شاركت نجدة رفقة الفاعلين في الترتيب لإجلاء ورعاية أطفال "دار المايقوما للأيتام"، وسافرت خصيصاً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة لتهيئة البيئة السكنية لهم قبل وصولهم، والإقامة معهم لتقديم الرعاية النفسية المباشرة، في تضامن كامل مع رفاق لجان المقاومة والتنظيمات الثورية (أمثال: نضال أم توباك، ومزمل محمد آدم التقلاوي، ومحمد الزين، ومحمد زين).
وفي الوقت الذي تتشابك فيه الخدمات الطبية عبر المدن، برزت في أزقة الأحياء احتياجات يومية ضاغطة لا تحتمل الانتظار، مثل توفير الوجبة الغذائية لأفواه الجياع وسد رمق المحاصرين، كما نلمس في تجربة المهندسة "قمر عادل".
في منطقة الفتح بمحلية كرري، تدير قمر عادل، المدير العام لمنظمة "دي بلدنا للتنمية"، مطابخ ميدانية و"تكايا" للوصول إلى ثلاثة مربعات سكنية واسعة عبر نظام تشغيل لامركزي؛ حيث تعمل كل تكية بطاقمها الخاص بشكل مستقل مع وجود تنسيق بيني للطوارئ الميدانية. يبدأ يوم قمر الفعلي بحساب الكميات وتحديد قائمة الطعام لـ 200 إلى 300 أسرة يومياً، وتتولى إدارة اللوجستيات الدقيقة لتوزيع الحصص وتعديل المكونات عند شح الموارد الغذائية.
تقول قمر شارحة الفجوة بين المشهد الميداني والواقع الإداري إن مَن يراها تطبخ لا يرى سوى جزء بسيط من التخطيط واللوجستيات والتخزين الحذر الذي يسبق العملية التنفيذية. وتضيف إحدى المستفيدات شهادتها المؤثرة لجهود قمر: «والله أنتم تعبتم.. كل شيء كان مرتباً والوجبة وصلتنا في وقتها.»
استجابة شاملة في قلب أزمات النزوح
ولكن، إذا كانت المطابخ الميدانية تتطلب استقلالية جغرافية لتغطية أحياء الخرطوم، فإن مجتمعات كاملة رزحت تحت وطأة نزوح متواصل كانت بحاجة إلى استجابة متعددة الأبعاد تجمع القطاعات المختلفة تحت مظلة واحدة، وهو ما برز بوضوح في أقاليم السودان النائية وأقصى الغرب.
في شمال دارفور، حيث تتجاوز الاحتياجات الإنسانية كل المقاييس المتوقعة، تقود إحدى المنسقات الميدانيات (التي فضّلت حجب اسمها لدواعٍ أمنية وميدانية) منظومة عمل متعددة الوحدات المتخصصة. تنسق المنسقة عمل أربع غرف نسوية محلية تأسست بالتنسيق مع مجلس طوارئ شمال دارفور، وتعمل عبر مكاتب متخصصة لبرمجة الأنشطة الإغاثية، وإعداد التقارير الفنية، والتوثيق الإعلامي للأحداث.
تستوعب هذه المنظومة الميدانية تنوعاً مهنياً لافتاً يجمع الطبيبات والمُعلمات وربات البيوت والطالبات، وتوفر الغرف "مساحات آمنة" والدعم النفسي، وتركز الاستجابة السريعة على احتياجات الحوامل والمرضعات والنازحين الجدد، مع تطبيق بروتوكول حساس للتعامل مع حالات العنف الجنسي والمبني على النوع. وتشير المنسقة الميدانية بأسى إلى الواقع الأليم حين تقول إن كل هذه الجهود المنظمة والمضنية لا تغطي سوى 1% فقط من الكارثة الميدانية المتفاقمة، والتي تتطلب موارد بحجم دولة كاملة.
الإرث المتبقي ومستقبل البناء المؤسسي
إن هذه التجارب المتنوعة والممتدة عبر أرجاء السودان تعكس هندسة إدارية متكاملة شيدتها نساء السودان بلا تدريب رسمي سابق في إدارة الكوارث ولا سلطة حكومية داعمة؛ إذ أدرن الأزمة بتسلسل مسؤولية عالي الانضباط، وشفافية مالية دقيقة، وبروتوكولات عمل مرنة أبقت المجتمع على قيد الحياة حين غابت الدولة وتلاشى وجودها الرسمي.
ويبقى السؤال الأهم قائماً ومطروحاً بحدة بعد انقضاء الحرب وضجيج المدافع: هل ستُعترف بهذه الأنظمة الميدانية وبانياتها كبنية إدارية حقيقية تُدمج في مستقبل السودان ومؤسساته الوطنية وتُبنى عليها أطر الحوكمة القادمة؟ أم سيُختزل كل هذا البناء الإداري الفذ والمجهود الوطني الخلاق تحت كلمة واحدة مجردة هي: "التطوع"؟
حقوق انسان
حين غابت الدولة، حضرن: نساء السودان اللواتي أدرن الحرب من الخلف