في التاريخ الممتد للنزاعات المسلحة، غالباً ما تسعى السلطات القائمة والتشكيلات العسكرية إلى التغطية على تعثر الميدان وإخفاقات الدبلوماسية عبر استدعاء الشارع، وتحويل المواطن المنهك إلى درع سياسي ومادة تعبوية. وكما تشهد أزمات الانتقال السياسي في المنطقة، فإن صناعة "التفويض الشعبي" تحت وابل الرصاص تسعى دائماً لشرعنة الاستمرار في خيار الحرب وتأجيل استحقاقات السلام والتحول المدني.
في السودان اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م ، وبين منابر المساجد عقب صلاة الجمعة وشوارع المدن المتربة المتشحة ومنهكة بفعل الحرب ، اندلعت موجة جديدة من الحراك السياسي والتعبئة الجماهيرية تحت اسم "مليونية دعم البرهان والجيش". جاءت هذه التظاهرات كدفق جماهيري وإعلامي أرادت من خلاله السلطات والمجموعات المؤيدة للجيش توجيه رسالة مباشرة للإدارة الأمريكية، ردًا على تعقيدات وإرجاء منح تأشيرة الدخول لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. لكن خلف هذا المشهد الصاخب، تتكشف حقائق أعمق تتعلق بتفنيد سرديات الحرب، ومساءلة الكلفة الإنسانية والسياسية التي يدفعها المواطن السوداني الأعزل.
كواليس التأشيرة: الاشتراطات الدولية ومأزق السيادة
لم تكن أزمة التأشيرة مجرد إجراء إداري أو تعقيد بيروقراطي في أروقة الخارجية الأمريكية، بل تحولت إلى ساحة اشتباك دبلوماسي وسياسي مُعلن بين الخرطوم وواشنطن. فقد كشفت تسريبات وتقارير دبلوماسية متطابقة أن واشنطن رَهَنت منح التأشيرة للوفد السوداني الرسمي بقبول قيادة الجيش بشرطين رئيسيين: الأول هو التوقيع الفوري على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً دون شروط مسبقة تكفل إيصال المساعدات للضحايا، والثاني تقديم التزامات واضحة ومحددة بجدول زمني لاستئناف مسار الحوار السياسي الشامل المفضي لتسليم السلطة لحكومة مدنية كاملة الصلاحيات.
ومع التلويح الأمريكي المتزايد بتوسيع عقوبات حظر السلاح والاستناد إلى استثناءات أمنية وسياسية في اتفاقية المقر المبرمة مع الأمم المتحدة عام 1947، جاء رد الفريق أول عبد الفتاح البرهان بفض هذه الشروط ومواصلة العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، معلناً عدم حاجته لتأشيرة تُمَس عبرها السيادة الوطنية أو تُفرض من خلالها إملاءات خارجية. غير أن القراءة النقدية لهذا الموقف الدبلوماسي تسلط الضوء على مفارقة جوهرية: هل حماية "السيادة الوطنية" تتحقق بالاستمرار في القتال وتدمير البنية التحتية وتشريد ملايين المواطنين، أم بتغليب خيار الهدنة وإيقاف نزيف الدماء وفتح الممرات الإنسانية؟
امتداد الميدان: هندسة التعبئة من العاصمة إلى شتات الجاليات
سرعان ما انعكس هذا التوتر الدبلوماسي على الأرض عبر خطة تعبوية شملت مناطق واسعة؛ ففي العاصمة الخرطوم، تصدرت منطقة "بري" المشهد بعد أن أدّى البرهان صلاة الجمعة وسط حشود شعبية وعسكرية استقبلته بالهتافات المؤيدة للقوات المسلحة. ولم يقتصر المشهد على العاصمة، إذ امتدت المسيرات المنظمة إلى بورتسودان — العاصمة الإدارية المؤقتة — حيث تجمعت قطاعات من المواطنين وقوى المقاومة الشعبية، مروراً بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل، وصولاً إلى مدن رئيسية في الولاية الشمالية، وكسلا والقضارف بشرق البلاد، والجزيرة وسنار بالوسط، والمناطق الآمنة في كردفان.
ولم تقف حدود هذه التعبئة عند الميدان المحلي، بل امتدت إلى الخارج؛ حيث نظمت الجاليات السودانية الموالية في عدد من المدن الأمريكية مسيرات رفعت شعارات تؤكد الالتفاف حول مؤسسات الدولة وتندد بالضغوط الخارجية. غير أن هذا التجييش الإقليمي والدولي يُظهر في جوهره محاولة من السلطة لخلق "شرعية الشارع" البديلة عن الشرعية الدستورية والسياسية، وتوظيف مشاعر الرفض الشعبي للتدخلات الخارجية من أجل تغذية خطابات الاستقطاب وإطالة أمد المواجهة المسلحة.
تفنيد سردية الحرب: جدل التكلفة واستغلال المنابر الدينية
في المقابل، لم يخلُ هذا المشهد التعبوي من قراءة نقدية حادة قدمتها القوى المدنية ولجان المقاومة (في مقدمتها لجان مقاومة القضارف)؛ إذ اعتبر مناهضو الحرب أن الفعالية اعتمدت بشكل أساسي على استغلال التجمعات العبادية والمساجد عقب صلاة الجمعة لتوفير نصاب جماهيري، بعد تعثر الاستقطاب المباشر للشارع المنهك بأزمات المعيشة الطاحنة وتداعيات النزوح والفقر.
كما أثارت هذه التحركات جدلاً واسعاً بشأن الأولويات والميزانيات؛ حيث تواترت الاتهامات بتخصيص موارد ولائية ومالية ضخمة لدعم الفعاليات السياسية والتجييش، في وقت يصارع فيه المواطن يومياً لتوفير أدنى مقومات الحياة والرعاية الصحية والأغذية الأساسية. ورأت القوى المدنية في المشهد تجسيداً لمفارقة حادة ومؤلمة: فبينما يطالب منظمو الحراك بـ "حق التنقل الدولي" للقيادة الحاكمة، تُفرض على الأرض قيود مشددة على حركة المواطنين داخل السودان، وتُقيد مظاهر التعبير المدني السلمي الداعية لإيقاف الحرب وإنهاء المعاناة.
أصوات مدنية: موسى إدريس عامر ورؤية المسار الدستوري الجديد
في هذا السياق المتشابك، يقدم الناشط السياسي والفاعل في المجال العام موسى إدريس عامر، وهو أحد مؤسسي "لجان الأحياء" خلال مواكب ثورة ديسمبر المجيدة، قراءة تفكيكية للمشهد التعبوي، متحدثاً لـ "ذاكرة المستقبل":إن التجمعات والفعاليات الأخيرة الداعمة للفريق أول عبد الفتاح البرهان تعكس غضباً واضحاً وشعبياً من أي ضغوط أو إملاءات خارجية على السودان، وهي مشاعر وطنية مفهومة ومقدرة في أوقات الأزمات. لكن من وجهة نظري ونظر القوى المدنية، فإن دعم القوات المسلحة في مواجهة الحرب لا ينبغي بحال من الأحوال أن يتحول إلى تفويض سياسي مفتوح للقيادة العسكرية لإدارة البلاد بالحديد والنار؛ لأن السودان في نهاية المطاف بحاجة ماسة إلى دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، وليس لاستمرار حكم العسكر وتأبيد هيمنتهم على السلطة.»
ويضيف عامر لقد كانت الوثيقة الدستورية هي الأساس للمرحلة الانتقالية، وبعدها طرأت عليها تعديلات وتطورات سياسية كبيرة ومعقدة. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الرجوع لنصوص قديمة أو صياغات ميتة، وإنما تأسيس مسار دستوري جديد ومتوافق عليه بين كافة مكونات الشعب السوداني، ينقل السلطة لقيادة مدنية متوافق عليها، ويؤسس لمشروع وطني شامل يعالج الجذور التاريخية لأزمة الدولة السودانية، ويحترم التنوع الديني والثقافي واللغوي والإثني الواسع.»
وحول الموقف الدولي والضغوط الأمريكية، يعلق عامر قائلاً: «أما الموقف الأمريكي الأخير تجاه البرهان وحجب التأشيرة، فبحسب التقارير، جاء في سياق ضغط مرتبط بمقترح هدنة لمدة 90 يوماً ووقف الحرب. الموقف المعلن يتحدث عن انتقال مدني ومحاسبة وحل سياسي ينهي الكارثة. ومن هنا، فإن رسالتنا كقوى مدنية ولجان مقاومة صريحة وواضحة: لا للحرب، لا للانقلابات العسكرية، ولا للإفلات من العقاب. هذا هو موقف غالبية الشباب والمجموعات المدنية رغم وجود تحالفات سياسية متباينة بينها.»
ويختتم موسى إدريس عامر حديثه بالتركيز على واجبات أطراف النزاع واستحقاقات المستقبل: «المطلوب من البرهان والقيادة العسكرية هو وقف الحرب فوراً، والتوقف عن المناورات السياسية، وفتح الطريق أمام انتقال مدني حقيقي. والمطلوب كذلك وبشكل عاجل من قيادة قوات الدعم السريع وقف جميع الانتهاكات ضد المدنيين، والالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، وقبول مسار العدالة والمحاسبة. المطلوب منا جميعاً هو بناء الثقة والبيئة الصالحة لإقامة هياكل المدنية والديمقراطية والعدالة، والتوافق على دستور وطني جديد وقانون انتخابات عادل، ليتنافس الجميع عبر البرامج الاقتصادية والاجتماعية دون إكراه. إن ما حدث منذ فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، مروراً بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى هذه الحرب المدمرة، يجب أن يخضع لنقاش وطني جاد يحدد المسؤوليات ويضع حداً لانهيار الدولة.»
أحمد عثمان وتفكيك "تحالف الضرورة"
من جانبه، يقدم المحلل السياسي أحمد عثمان في تصريحات خاصة لـ "ذاكرة المستقبل" تحليلاً عميقاً لبنية التحركات التعبوية الحالية وديناميكياتها: «تكشف العودة المتكررة إلى الشارع وتوظيف التجمعات الدينية عقب صلاة الجمعة في مدن عدة — مثل الخرطوم وبورتسودان والقضارف — عن اعتماد منهجية إعلامية وسياسية يمكن تسميتها بـ "الحشد الاضطراري". تلجأ السلطة وحلفاؤها إلى كتل المصلين والمصليات لتوفير نصاب جماهيري سريع يُستغل سياسياً وإعلامياً، في ظل استنزاف المواطنين اقتصادياً ونفسياً وتعثر استقطابهم المباشر عبر الندوات أو الحوارات المفتوحة. وتتفاقم المفارقة الأخلاقية هنا مع اتساع الفجوة الهائلة بين إنفاق الموارد الولائية والمالية الشحيحة على الفعاليات التعبوية، وبين الانهيار المعيشي والخدمي المريع الذي يعانيه المواطن اليوم، ناهيك عن أزدواجية حرية التعبير التي تُمنح للموالين وتُحجب بالكامل عن الأصوات المدنية التي تنادي بوقف الحرب والسلام.»
ويربط عثمان بين هذا الأسلوب وإرث النظام السابق، موضحاً: «وبأخذ هذا المشهد في سياقه التاريخي والربط بعهد نظام عمر البشير، يبدو جلياً أن قواعد وديناميكيات الحركة الإسلامية وحلفائها لم تعد تعمل ضمن "دولة شمولية أحادية" كما كان الحال قبل عام 2019، بل انتقلت إلى ممارسة النفوذ والتأثير عبر "تحالف الضرورة" مع المؤسسة العسكرية وتحت مظلة المقاومة الشعبية. تستدعي الحركة الأدوات التعبوية القديمة ذاتها — من خطاب التحدي للخارج واستغلال المنابر الدينية — ولكن ضمن بيئة استراتيجية مختلفة تماماً؛ إذ لا تبني حضورها اليوم على طرح مشروع أيديولوجي جذاب بقدر ما تستغل الرفض الشعبي الواسع والشرعي لانتهاكات قوات الدعم السريع لإعادة إنتاج شرعيتها السياسية وتصوير نفسها كحامي لكيان الدولة من الانهيار.»
ويختتم المحلل أحمد عثمان تحليله بالتأكيد على تضارب الشرعيات في المشهد الراهن:«تُظهر التظاهرات الحالية أن الشارع السوداني أضحى مسرحاً لشرعيات متصارعة: سلطة تسعى لانتزاع التفويض الشعبي لتعزيز موقفها التفاوضي والدبلوماسي أمام المجتمع الدولي والمناورة به، وقوى مدنية ولجان مقاومة ترى في هذه الفعاليات هدرًا لموارد الدولة واستمراراً لسياسات الهيمنة وتجاهل الأزمة الإنسانية الشاملة. ويظل هذا الصراع مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل غياب أفق سياسي يحقق التوازن بين السيادة الوطنية وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.»
الخاتمة: السلام الحقيقي هو الطريق الوحيد لاستعادة الوطن
إن القراءة المتأنية لكواليس "مليونية البرهان" واشتراطات التأشيرة الأمريكية تُظهر بوضوح أن خيار الاستمرار في التعبئة والتجييش العسكري ليس سوى هروب إلى الأمام وتأجيل غير محسوب لكلفة السلام الشامل. إن السيادة الوطنية الحقيقية لا تُصان بالخطابات الحماسية أو برفض الهدن الإنسانية التي تحمي أرواح الضعفاء، بل تُبنى على مؤسسات مدنية مستقرة، وقضاء عادل، ومؤسسة عسكرية مهنية موحدة تخضع للسلطة المدنية وتلتزم بحماية التراب الوطني دون الخوض في معارك السياسة والتفويض.
إن السلام المطلوب اليوم في السودان ليس مجرد اتفاق طارئ بين أطراف الحرب أو هدنة مؤقتة لتقسيم النفوذ، بل هو السلام الذي يعالج جذور المظالم التاريخية، ويضع أساساً راسخاً للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ويضمن المواطنة المتساوية واحترام التنوع وكرامة الإنسان السوداني. وحتى يتحقق ذلك، تظل سرديات الحرب والتجييش مجرد أدوات لتمديد عمر الأزمة على حساب دماء وأقوات الملايين.
سياسة
حين تُستغل المنابر لتأجيل السلام: كواليس "مليونية البرهان" ومأزق التفويض العسكري"