الجزء الرابع والأخير: ما بعد الجبل
ذاكرة المستقبل : وحيد دفع الله
بعد أن هدأ الجبل، بدأت المدينة تتكلم. لم تكن الأصوات الأولى أصوات العلماء، ولا أصوات المسؤولين، ولا حتى أصوات وسائل الإعلام، بل كانت أصوات الناس الذين فتحوا أبوابهم في الصباح ليكتشفوا أن المكان الذي يعرفونه لم يعد هو المكان نفسه. في "تيمور"، لم يكن الطريق مجرد طريق؛ كان شرياناً يصل الناس بالأسواق والعمل والمدارس والخدمات. وفي "سيابروبسي"، لم تكن الحركة التجارية نشاطاً اقتصاديين منفصلاً عن حياة المدينة، بل كانت جزءاً من إيقاعها اليومي. أما في "راسواجادهي"، حيث تتقاطع حركة الناس والبضائع مع الحدود، فإن اضطراب الطريق لا يعني تأخر سيارة أو شاحنة فحسب، وإنما يعني اضطراب سلسلة كاملة من المصالح التي تعتمد على استمرار الحركة.
وهكذا تكشف الكوارث الجبلية وجهها الآخر؛ فهي لا تقيس خسائرها فقط بعدد المباني التي سقطت أو الطرق التي انقطعت، وإنما بما يتوقف عن العمل بعدها. قد يفقد صاحب متجر أياماً من الدخل، وقد لا تصل البضائع في موعدها، وقد تتعطل حركة العمال، وقد يتأخر الطلاب عن مدارسهم، وقد تصبح زيارة المستشفى رحلة محفوفة بالمخاطر. وفي المجتمعات الجبلية، حيث قد تكون المسافات قصيرة على الخريطة لكنها طويلة على الأرض، يمكن لقطاع صغير من الطريق أن يعزل مجتمعاً كاملاً عن بقية العالم.
وكانت المشكلة أن الجبل لم يكن وحده المتضرر؛ فالناس الذين يعيشون تحته هم أيضاً جزء من الجبل. إنهم يعرفون الممرات، ومصادر المياه، ومواسم الزراعة، ومواقع الرعي، ومسارات التجارة، والأماكن التي تبدو آمنة في الأيام العادية. وحين تتغير البيئة، فإن المعرفة اليومية التي تراكمت عبر أجيال قد تجد نفسها أمام ظروف لم تعد تشبه ما اعتادت عليه. وهنا تبدأ الخسارة الاجتماعية؛ فليس كل من يفقد منزله يستطيع أن يبني منزلاً جديداً، وليس كل من تتعطل تجارته يمتلك رأس مال ينتظر به عودة الطريق، وليست كل أسرة قادرة على تحمل أسابيع من ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والخدمات.
الكارثة لا تضرب الجميع بالطريقة نفسها؛ إنها غالباً تضرب الأضعف أولاً، وتستمر آثارها بعد أن تختفي من نشرات الأخبار. ولذلك فإن الحديث عن التعافي لا ينبغي أن يبدأ فقط من إعادة فتح الطرق أو إصلاح المباني، بل من فهم ما الذي حدث للمجتمع نفسه، ومن الذي تحمل العبء الأكبر، ومن الذي يستطيع العودة إلى حياته بسرعة، ومن الذي يحتاج إلى سنوات حتى يستعيد قدرته على الوقوف من جديد.
في الأيام التي تلت الكارثة، تغير السؤال. في البداية كان الناس يسألون: ماذا حدث؟ ثم أصبح السؤال: كيف نعود إلى حياتنا؟ لكن السؤال الذي يجب ألا يختفي بعد عودة الحياة هو: كيف نمنع المفاجأة القادمة؟ لا يعني ذلك أن الإنسان يستطيع منع الجبال من الحركة، أو أن كل انهيار يمكن التنبؤ بموعده بدقة؛ فالطبيعة أكثر تعقيداً من ذلك. لكن عدم القدرة على منع الخطر لا تعني العجز عن تقليل خسائره.
وهنا يصبح الإنذار المبكر أكثر من مجرد جهاز إنذار؛ إنه منظومة كاملة تبدأ بالمراقبة وتنتهي بقدرة الناس على التصرف في الوقت المناسب. وفي المناطق الجبلية، ينبغي أن تكون هذه المنظومة أكثر دقة من مجرد مراقبة حالة الطقس العامة. فالسماء قد تقول إن المطر قادم، لكن الجبل قد يخفي أسئلة أخرى: ما كمية الأمطار التي هطلت فعلاً على المنحدر؟ أين تركزت؟ كيف تغيرت درجة الحرارة؟ هل تحركت المياه داخل الصخور أم فوقها؟ هل توجد تغيرات في الجليد؟ هل بدأت كتلة صخرية بالتحرك ببطء؟ هل تغير مستوى المياه في مجرى معين بصورة غير معتادة؟ وهل ظهرت إشارات صغيرة سبقت الحدث ولم تجد من يربط بينها؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تدخل بصورة أكبر في أنظمة الإنذار المبكر في المناطق الجبلية. فالجبل لا يحتاج دائماً إلى أن يصرخ حتى نعرف أنه في خطر؛ أحياناً يبدأ الخطر بحركة لا يشعر بها الإنسان، بشق صغير، أو بتغير في تصريف المياه، أو بانهيار محدود، أو بتغير في درجة الحرارة، أو بإشارة على جهاز قد تبدو في لحظتها بلا أهمية. لكن عندما تُجمع الإشارات معاً، قد تتحول إلى قصة مختلفة تماماً.
والإنذار المبكر الأكثر دقة يعني أيضاً أن تكون المعرفة قريبة من الناس. لا يكفي أن تصل البيانات إلى مركز مراقبة بعيد إذا لم تصل الرسالة إلى القرية في الوقت المناسب، ولا يكفي أن يعرف الخبراء أن الخطر محتمل إذا لم يعرف السكان ماذا يفعلون عندما يصل التحذير. في الجبال، قد تكون دقائق قليلة ذات قيمة كبيرة؛ ولهذا تحتاج المجتمعات إلى خرائط مخاطر محدثة، ونقاط مراقبة موزعة على المناطق الحساسة، وأجهزة لرصد الأمطار وحركة الأرض والمياه، وصور أقمار صناعية، ونماذج رقمية للمنحدرات، وأنظمة اتصال قادرة على العمل عندما تتعطل الطرق والكهرباء.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ إذ يجب أن تكون هناك معرفة محلية أيضاً. ذلك الشخص الذي يعرف أن لون الماء في مجرى معين تغير بصورة غير معتادة، أو أن نبعاً بدأ يتدفق بطريقة مختلفة، أو أن جزءاً من المنحدر أصدر صوتاً لم يكن مألوفاً، قد يكون هو أول من يلاحظ الإشارة. العلم الحديث والمعرفة المحلية لا ينبغي أن يقفا في طرفين متقابلين؛ فقد يكون إنقاذ الأرواح في المستقبل مرتبطاً بقدرتهما على العمل معاً.
أما الاقتصاد، فقد كان يحتاج إلى وقت أطول من الجبل حتى يتعافى. فالطريق يمكن أن يُفتح، لكن السوق لا يعود في اللحظة نفسها، والتاجر الذي فقد بضائعه لا يستعيد رأس ماله بمجرد عودة المركبات، والعائلة التي اضطرت إلى تغيير مكان إقامتها لا تعود إلى حياتها القديمة بمجرد إعلان انتهاء حالة الطوارئ. وهذا ما يجعل تقييم الكوارث البيئية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الأرقام الأولى؛ فهناك خسائر مباشرة يمكن رؤيتها، وخسائر غير مباشرة تبدأ بعد ذلك، ثم توجد خسائر اجتماعية ونفسية لا تظهر بسهولة في الجداول، وقد تستمر بعض هذه الآثار لسنوات.
لذلك فإن إعادة بناء المدن والقرى المتأثرة لا ينبغي أن تعني إعادة بناء ما كان موجوداً بالطريقة نفسها. إذا كان الطريق القديم معرضاً للخطر، فالسؤال ليس فقط: كيف نعيده؟ بل: هل ينبغي أن نعيده في المكان نفسه؟ وإذا كانت منطقة سكنية معرضة لمخاطر متكررة، فالسؤال ليس فقط: كيف نحمي المنازل؟ بل: هل التخطيط العمراني نفسه يحتاج إلى مراجعة؟ وإذا كانت البنية التحتية مصممة وفق سجلات مناخية قديمة، فهل ما زالت تلك السجلات تمثل الظروف التي تواجهها المنطقة اليوم؟ هنا يصبح التعافي فرصة للتعلم، لا مجرد محاولة لاستعادة الماضي.
وكانت نيبال تحمل للعالم رسالة أكبر من حدودها. فالجبال ليست مشكلة نيبال وحدها؛ إذ ترتبط سلاسل الجبال الكبرى في العالم بالمياه والزراعة والطاقة والتنوع الحيوي وحياة ملايين البشر، وما يحدث في المناطق المرتفعة يمكن أن ينتقل أثره إلى الوديان والمدن والأنهار والاقتصادات البعيدة عنها. ولهذا فإن النظر إلى الكوارث الجبلية باعتبارها أحداثاً محلية فقط قد يكون خطأ استراتيجياً.
نحن بحاجة إلى جيل جديد من أنظمة الإنذار المبكر يأخذ خصوصية الجبال بجدية أكبر؛ أنظمة لا تعتمد على مؤشر واحد، ولا تنتظر ظهور الخطر بصورة واضحة، بل تجمع بين الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا والجيولوجيا والاستشعار عن بعد ونمذجة التضاريس والمراقبة الميدانية والمعرفة المحلية. والأهم من ذلك أن تنتقل هذه الأنظمة من مجرد التنبؤ بالخطر إلى التنبؤ بتأثيره على الناس. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل سيحدث انهيار؟ بل: من سيكون في طريقه؟ أي طريق سيتوقف؟ أي قرية قد تُعزل؟ ما الخدمات التي ستتأثر؟ وأين يجب أن يكون الإخلاء؟ ومن الذي يحتاج إلى التحذير أولاً؟ ذلك هو الفرق بين نظام يعرف أن الخطر قادم ونظام يستطيع أن ينقذ حياة.
ومع مرور الوقت، بدأت الصور تتغير. الأرض التي غطاها الركام بدأت تستعيد بعض ملامحها، وعاد الناس إلى أعمالهم، وعادت المركبات إلى الطرق التي أمكن فتحها، وعادت أصوات الأسواق. لكن شيئاً واحداً لم يعد كما كان: الأسئلة. لقد ترك الجبل وراءه أسئلة أكثر مما ترك من الركام. هل كان هذا الحدث استثنائياً تماماً؟ هل كانت هناك إشارات سبقت الكارثة ولم نقرأها؟ هل تغيرت الظروف التي كانت تجعل هذه المنطقة مستقرة في الماضي؟ هل كان المناخ أحد العوامل التي ينبغي أن تدخل في تقييم الخطر؟ وإذا كان كذلك، فما حجم دوره؟
ثم جاء السؤال الأصعب: هل كنا ننظر إلى الكارثة باعتبارها حدثاً منفرداً، بينما كانت في الحقيقة نتيجة لتفاعل عدة أنظمة في الوقت نفسه؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الصور وحدها، ولا الانطباعات، ولا الروايات المتداولة بعد الكارثة. إنها تحتاج إلى علم يعيد بناء التسلسل الزمني بدقة، ويقارن البيانات المناخية والهيدرولوجية والجليدية والجيولوجية، ويدرس تضاريس المنطقة، ويحلل صور الأقمار الصناعية قبل الحدث وبعده، ويفحص سجلات الأمطار ودرجات الحرارة، ويتتبع التغيرات في الأنهار والمنحدرات والغطاء الجليدي، ثم يضع كل ذلك في نموذج متكامل؛ ليس للبحث عن متهم، بل للبحث عن الحقيقة.
ربما تكون هذه هي أهم رسالة تتركها جبال نيبال: لا ينبغي أن ننتظر الكارثة القادمة حتى نتعلم كيف نقرأ الجبل. ينبغي أن نقرأه الآن؛ أن نراقب تغيراته الصغيرة قبل أن تتحول إلى أحداث كبيرة، وأن نربط بين المناخ والمياه والثلوج والصخور والتضاريس والبشر، وأن ندرك أن الخطر لا يعيش في عنصر واحد، بل في العلاقة بين العناصر.
والكارثة لا تنتهي عندما يتوقف الانهيار، بل تنتهي فقط عندما نفهم ما حدث، ولماذا حدث، وما الذي كان يمكن أن نعرفه قبل حدوثه، وما الذي نستطيع تغييره قبل المرة القادمة.
ولهذا فإن مراجعة أي كارثة جبلية يجب ألا تكون مجرد حصر للخسائر، بل يجب أن تكون تحقيقاً علمياً في منظومة الخطر بأكملها: ماذا تغير؟ متى تغير؟ ما الإشارات التي ظهرت؟ ما الذي رصدناه؟ ما الذي لم نرصده؟ ما الذي عرفه السكان؟ وما الذي كان يعرفه العلم؟ وأين انقطعت السلسلة بين المعرفة والتحذير والاستجابة؟
ربما يكون الجبل قد تحرك في ساعات، لكن فهم ما حدث قد يحتاج إلى سنوات.
وهذا ليس تأخراً... إنه ثمن الحقيقة.
لأننا إذا اكتفينا بعدّ الضحايا والبيوت والطرق التي فقدناها، فسوف نعرف حجم الكارثة. أما إذا أعدنا بناء قصتها علمياً، فسوف نعرف كيف نمنع الكارثة القادمة من أن تكتب القصة نفسها مرة أخرى.
وفي النهاية، لا يطلب الجبل من العالم أن يخاف منه؛ إنه يطلب فقط أن يُصغى إليه.
فالجبل، مثل المناخ، لا يتحدث باللغة التي نتحدث بها، لكنه يترك إشارات.
والسؤال الحقيقي ليس: هل كانت الإشارات موجودة؟
بل: هل كنا نعرف كيف نقرأها؟
المقالات
النيبال... عندما يصبح الجبل جزءًا من المناخ