ذاكرة المستقبل: محمد ديوب
لم تكن شاشة الهاتف المحمول في يد «سارة أحمد»، الشابة التي تقطن منطقة شرق النيل، تنقل مجرد خبر إخباري عادي عندما قرأت منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي يُعلن اتجاه السلطات إلى تغيير واستبدال العملة الوطنية. كان المنشور شارة إنذار أولى؛ إذ تتذكر مشقة استبدال العملة التي مرت بها قبل وقت قريب، عندما سارعت إلى إنفاق ما بحوزتها من نقد على السكر والزيت والدقيق، خشية أن تفقد الأوراق القديمة قيمتها. واليوم، مع إعلان السلطات اتجاهها إلى استبدال العملة مرة أخرى، تجد نفسها أمام التجربة ذاتها، وإن لم يتحدد بعد موعد تنفيذها.
تصل تجربة سارة مباشرة إلى قلب المفارقة التي يعيشها الاقتصاد السوداني تحت وطأة النزاع المسلح: قرار نقدي وسيادي يهدف رسمياً إلى ضبط السيولة ومكافحة التزوير واستعادة السيطرة المالية، لكنه يرتطم بواقع معيشي لمواطنين يفتقرون إلى أبسط مقومات الوصول إلى الجهاز المصرفي المترهل.
رحلة البحث عن قيمة المال
تملك سارة حساباً مصرفياً في أحد البنوك، لكن الحساب المصرفي في زمن الحرب يغدو في أحيان كثيرة مجرد رقم افتراضي. خلال رحلة الفرار والأحداث الأمنية المعقدة في شرق النيل، فقدت سارة هاتفها المحمول وجميع وثائقها الثبوتية التي تؤكد هويتها، ولم يتبقَ معها سوى رقم وطني قديم متهالك.
عندما توجهت سارة نحو أحد فروع البنك، كانت الرحلة استنزافاً مادياً ونفسياً؛ إذ تكبدت مصاريف مواصلات باهظة في ظل ارتفاع أسعار الوقود، ووقفت لساعات طويلة تحت شمس حارقة في طوابير متداخلة أمام بوابة البنك. وبمجرد وصولها إلى موظف الاستبدال، رفض الموظف التعامل بالرقم الوطني القديم، وطالبها بتقديم وثائق إثبات شخصية جديدة ومحدثة—وهو شرط يسير في الأوقات العادية، ولكنه شبه مستحيل لشخص فقد أوراقه في منطقة نزاع.
عادت سارة بخفي حنين، دون أن تتمكن من إيداع مدخراتها النقدية أو استبدالها. ولم تكن الأسواق بأفضل حالاً من البنوك؛ إذ سارعت المحلات التجارية إلى فرض حظرها الخاص على فئتي 500 و1000 جنيه القديمتين. تقول سارة لذاكرة المستقبل:
«إن معظم تجار التجزئة في منطقتها توقفوا عن قبول العملة القديمة قبل أيام عديدة من انقضاء المهلة الرسمية، خشية أن يجدوا أنفسهم محتجزين بأوراق لا يستطيعون توريدها للنظام المصرفي».
السياسة النقدية تحت القصف
من الناحية الرسمية، بدأت خطوات استبدال العملة عبر مسار مرحلي أطلقه بنك السودان المركزي. فشملت المرحلة الأولى في أواخر عام 2024 ثماني ولايات، وتلتها المرحلة الثانية في أبريل ومايو 2026 لتستهدف ولايات الخرطوم، الجزيرة، والنيل الأبيض. وقد حدد البنك المركزي منتصف مايو 2026 كموعد نهائي لاستبدال فئتي 500 و1000 جنيه عبر توريدها حصراً في الحسابات المصرفية بالولايات المحددة.
وصولاً إلى سبتمبر 2026، عقدت "اللجنة العليا لتغيير واستبدال العملة" اجتماعاً موسعاً برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، وبحضور وزراء القطاع الاقتصادي ومحافظ البنك المركزي، لوضع خطة متكاملة لاستكمال العملية وشمل جميع الولايات الآمنة والمستعادة، ودراسة مقترحات تتصل بحذف الأصفار وتسريع الدفع الإلكتروني.
في هذا السياق، صرّح وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، خالد الإعيسر، عقب اجتماعات اللجنة العليا، موضحاً الرواية الرسمية للقرار:
«الجلسة تهدف إلى إقرار خطة جديدة لخطوات ثابتة نحو اقتصاد وطني، وإرادة وطنية تحصّن الدولة من محاولات ضرب الاقتصاد عبر نشر أخبار كاذبة عن انهياره».
تُعبّر الحكومة عن رؤيتها للعملية باعتبارها حزمة ضرورية لحماية الجنيه السوداني من التزييف والتزوير المنتشرين في مناطق الصراع، إلى جانب استعادة السيطرة على الأموال والكتل النقدية التي تُقدر المصادر المصرفية الرسمية أن مئات الملايين من الدولارات منها نُهبت من خزائن البنك المركزي والبنوك التجارية ومطابع العملة بالخرطوم عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023.
سيولة خارج البنوك وقوة شرائية متآكلة
أمام الخطاب الرسمي، يضع المحللون الاقتصاديون القرار في ميزان السياسة النقدية المباشرة. يرى الاقتصادي السوداني الأستاذ محمد الحاج أن القرار يحمل ازدواجية المضمون والهدف في آن واحد، ويقول لذاكرة المستقبل:
«الخطوة تجمع بين البعدين؛ فهي نقديًا إجراء موضوعي، لكنها في سياق الحرب أصبحت أداة من أدوات الحرب الاقتصادية».
ويشير محمد إلى أن السلطات النقدية تستهدف بالدرجة الأولى امتصاص السيولة النقدية الكبيرة الموجودة خارج النظام المصرفي، بما فيها الكتل المالية التي استولت عليها أطراف النزاع. ويُقدر أن نحو 90% من الكتلة النقدية أصبحت تتداول خارج الجهاز المصرفي، وبحسب وصفه فإن هذا رقم يستند إليه الخبراء للدلالة على ضعف الشمول المالي وانهيار ثقة المتعاملين بالمؤسسات المصرفية، مما يصادر قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية أو كبح جموح الأسعار.
تأتي هذه المحاولات النقدية في وقت تشير فيه البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء إلى تسجيل معدل تضخم سنوي بلغ 26.14% في أغسطس 2026، مدفوعاً بالزيادات المباشرة في أسعار السلع الغذائية والمشروبات والنقل. وفي الأسواق الموازية، استمر تدهور الجنيه متجاوزاً حاجز 7000 جنيه مقابل الدولار منتصف سبتمبر الماضي، مقارنة بسعر الصرف الرسمي المعلن في بعض المصارف الكبرى مثل بنك الخرطوم والذي تحرك في حدود 4200 جنيه.
وحول المقترحات المتداولة بشأن حذف الأصفار من الجنيه السوداني لتسهيل المعاملات، يشدد محمد الحاج على ضوابط الفرز بين الشكل المحاسبي والواقع الاقتصادي:
«حذف الأصفار إجراء محاسبي وتنفيذي، وليس علاجًا للتضخم. القوة الشرائية لا تتغير بحذف الأصفار من الورقة النقدية».
ويوضح أن معالجة التضخم لا تتم بمقص الطباعة أو إسقاط الأرقام من القيود الدفترية، بل تتطلب حزمة شاملة تعالج أسباب التضخم الهيكلية؛ وفي مقدمتها التوقف عن التمويل بالعجز (طباعة النقود لتغطية النفقات)، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية المعطلة كالزراعة والصناعة، وتحسين حصائل الصادرات الوطنية.
الانقسام النقدي وظلال الطبقية الرقمية
لا يقف تعقيد الاستبدال عند حدود الأرقام والأسعار، بل يتجاوزه إلى الخارطة الجغرافية للسيادة النقدية. فقد أدى إعلان قوات الدعم السريع عن حظر التعامل بالفئات النقدية الجديدة الصادرة من بورتسودان في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى نشوء سوق منقسم.
ويحذر محمد الحاج من التبعات الهيكلية لهذه القطيعة النقدية، مؤكداً أن:«الازدواج النقدي لا يقسم العملة فقط، وإنما يمكن أن يقسم السوق نفسه».
يظهر هذا الانقسام عبر فروق حادة في أسعار الصرف والقوة الشرائية بين الولايات، مما يُصعّب مسار إعادة دمج الاقتصاد القومي بعد نهاية الحرب.
وعلى صعيد التعاملات اليومية، طرحت السلطات تطبيقات الدفع الإلكتروني—وفي مقدمتها تطبيق "بنكك"—كبدیل للسيولة النقدية الورقية. لكن هذا الحل الابتكاري اصطدم بواقع تدمير البنية التحتية للاتصالات والانقطاع المتكرر لشبكات الإنترنت. ويقول محمد الحاج:
«إذا سحبت النقد من السوق ولم توفر بديلًا نقديًا أو رقميًا يعمل بكفاءة، فأنت لا تعالج مشكلة نقدية فقط، وإنما قد تصنع أزمة في النشاط الاقتصادي نفسه».
ويؤكد أن هذه الأزمة تضغط بصورة قاسية على صغار التجار، والعمالة غير المنتظمة، والأسر التي تحتفظ بمدخراتها كاش داخل المنازل لغياب الحسابات البنكية أو الوثائق الرسمية. كما يرى أن نشوء "سوق سوداء للأوراق الملغاة" أصبح واقعاً، حيث ينشط وسطاء في شراء الفئات القديمة من المواطنين العاجزين عن الوصول للبنوك مقابل إعطائهم نقداً جديداً أو تحويلات رقمية بخصومات مالية حادة. وفي الوقت ذاته، يندفع كبار حائزي الأموال غير المعلنة لشراء الذهب والعملات الصعبة لحماية قيمتها، ما يرفع الطلب على الذهب ويزيد من أنشطة تهريبه عبر الحدود.
الديون والحلول الهشة
أمام هذا الانسداد التنفيذي، وجدت سارة أحمد وأسرتها أنفسهم يعيشون على حلول مؤقتة يكتنفها الحرج والهشاشة المعيشية. تقول سارة موضحة طريقة تدبر مصاريفهم اليومية:
«أحيانًا نشتري بالآجل من تجار الحي، وأحيانًا نطلب المساعدة من الأقارب والمعارف. المهم أن نجد طريقة لتوفير الطعام والدواء».
تعتمد أسرة سارة بصورة شبه كاملة على تحويلات مالية يرسلها أقارب يعملون خارج السودان عبر التطبيقات الرقمية. لكن هذه التحويلات، رغم أنها تشكل شريان الحياة الأخير، تآكلت قيمتها الفعلية تحت ضغط الارتفاع المستمر لأسعار السلع بالأسواق. تصف سارة هذه المفارقة بالقول:
«حتى عندما ينخفض الدولار، الأسعار لا تنخفض معه. نحن نشتري بالدولار عندما يرتفع، وعندما ينخفض لا نشعر بانخفاض الأسعار».
وتضيف سارة أن تعطل شبكة الاتصالات وتطبيقات الدفع الإلكتروني يعني في أيام كثيرة العجز التام عن شراء وجبة الغداء أو الحصول على دواء ضروري من الصيدلية. ومع اشتراط البنوك متطلبات تعجيزية، اضطرت سارة لتصريف الجزء المتبقي من مدخراتها الورقية القديمة في شراء مواد تموينية بأسعار مرتفعة، تُقدر خسارتها المباشرة بنحو 30% من القيمة الاسمية لأموالها نتيجة اضطرارها لقبول شروط التجار.
ترى سارة أن الفئات الأكثر تضرراً من هذه القرارات هم الفقراء، والنازحون، وكبار السن، وسكان الأرياف—وهم الذين لا يملكون أجهزة هواتف حديثة أو يجهلون التعامل مع التطبيقات الرقمية المعقدة، مما يفتح الباب لاستغلالهم من قبل سماسرة التحويلات.
تعافٍ معقّد
في تقييمه للآفاق المستقبلية، يرى محمد الحاج أن قرار تغيير العملة وحده لن يستطيع تجفيف منابع تمويل الحرب بصورة حاسمة؛ لأن الشبكات المالية المرتبطة بالنزاع تمتلك من المرونة ما يكفي للانتقال السريع نحو التداول بالذهب، والعملات الأجنبية الصعبة، والجباية المباشرة في الاقتصاد الموازي. ويرسم محمد أفقاً زمنياً واقعياً لاستعادة الاستقرار النقدي، خالية من الأوهام والحلول السريعة:
«الاقتصاد السوداني لن يستعيد استقراره النقدي بمجرد توقف إطلاق النار. نحن نتحدث عن فترة قد تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، إذا توفرت تدفقات مالية ودعم دولي، وأعيد بناء الجهاز المصرفي، وطُبق برنامج إصلاح اقتصادي شامل».
بينما تنشغل اللجان الحكومية في بورتسودان برسم الخطط النقدية ومتابعة عمليات توريد الأوراق الجديدة في الخزائن البنكية، تعود القصة في نهايتها إلى جيب المواطن السوداني الذي يحاول البقاء على قيد الحياة وسط الحرب والغلاء.
تلخص سارة أحمد موقف ملايين المواطنين والنازحين في رسالة مباشرة تدعو فيها السلطات النقدية والمؤسسات القائمة على القرار إلى النظر بعين الواقع المعيشي:
«نطالب بمراعاة ظروف النازحين والفقراء، وتوفير السيولة والشبكات، وتمديد مهل الاستبدال، وفتح منافذ ميسرة لا تشترط تعقيدات إدارية تفقد المواطن المنهك شقاء عمره».
تتغير أشكال الأوراق النقدية وألوانها، تُضاف أو تحذف الأصفار على قيود البنوك، لكن السؤال الأهم بالنسبة لسارة ولجميع الذين تقطعت بهم أسباب العيش، هو ما إذا كانت تلك القرارات ستدعم قدرتهم على الوصول إلى قيمة أموالهم، أم أنها ستتركهم يواجهون الغلاء بأيادٍ فارغة ورقم وطني لا تعترف به البنوك.
إقتصاد
المحاصرة بالجنيه: هل أصبحت العملة الوطنية جبهة صراع في حرب السودان؟