ذاكرة المستقبل : غفران حامد
حين تُضيء شاشة الهاتف في عتمة الغرفة الصباحية، لا يبدأ النهار بأشعة الشمس ولا بعبق القهوة الطازجة، بل بلقطة متقنة لغرفة نوم مرتبة بعناية، وصوت خطوات هادئة على أرضية خشبية لامعة، وصانعة محتوى تبتسم للكاميرا وكأن العالم بأسره قد استيقظ لتوه على إيقاعها المثالي. هكذا تصدح ملايين الهواتف الذكية كل يوم بمشاهد «الروتين اليومي» (Daily Vlogs)، لتغمرنا بتفاصيل دقيقة تبدأ من لحظة فتح الأعين وحتى إغلاقها على إضاءة صفراء دافئة.
وفي رصد ميداني أجرته إحدى المبادرات، تبيّن أن الغالبية العظمى من هذه المقاطع ترسم نمط حياة حالماً ومثالياً يتطلع إليه الكثيرون، مما يضعنا وجهاً لوجه أمام تساؤلات ملحة: هل يعكس هذا المحتوى حقاً حياة طبيعية لطبقة من المحظوظين، أم أنه مجرد مسرحية بصرية مفصولة تماماً عن واقعنا الشديد التعقيد؟
خديعة الكواليس: من السينما إلى خوارزميات المنصات
حين نتأمل هذه الظاهرة، يتبادر إلى الذهن سريعاً ذلك الشريط السينمائي القديم الذي طالما أطر أبطال الشاشة الكبيرة في أذهاننا كرموز مطلقة للثراء والسعادة والرفاهية. كنا نرى نجوم هوليوود يرفرفون في فضاءات البذخ، بينما كانت كواليس حياتهم الشخصية تعج بالانهيارات والأزمات النفسية الخفية. ألم يكن الممثل الكوميدي الراحل روبن وليامز يملأ الدنيا ضحكاً وبهجة بأدواره الملهمة، بينما كان يخوض معركته المريرة والوخيمة مع الاكتئاب؟ ألم يعكس جيم كاري وتشارلي شابلن أعلى درجات السعادة المصورة، رغم قسوة النشأة وتعقيد الآلام النفسية التي رافقت مسيرتهما؟
اليوم، تتكرر الحكاية ذاتها ولكن بأسماء مستعارة على منصات أسلوب الحياة والتواصل الاجتماعي. لم يعد النجم بعيداً في صالات السينما، بل بات يشاركنا فنجان قهوتنا، ويعرض سفره، وتسوقه، ومطاعمه الفاخرة بوصفها روتيناً عادياً ومألوفاً لا استثناءً. وأمام هذا الفيض الممسرح، يقف المتابع الشاب حائراً على مفترق طرق: أمنحنا هذا المحتوى إلهاماً صادقاً للارتقاء بالذات والاجتهاد في العمل؟ أم يستدرجنا شيئاً فشيئاً إلى مقارنة أبدية وشعور دائم بالتقصير والنقص؟
قلق المكانة وانحراف الطموح الفطري
لفهم سر هذا الانجذاب المربك، يأخذنا الفيلسوف آلان دو بوتون في كتابه «قلق السعي إلى المكانة» إلى جذور أعمق، حيث يوضح أن تقديرنا لما يكفينا لا ينبع من داخلنا، بل نصنعه عبر مقارنة أنفسنا بما يسميه «المجموعة المرجعية»؛ أي جماعة الناس الذين نعتقد أنهم يشبهوننا. بحسب دو بوتون، لا نعدّ أنفسنا ناجحين أو محظوظين إلا إذا ملكنا مثل أقراننا أو تفوقنا عليهم.
وهذه المعادلة النفسية تدركها تماماً صانعة محتوى أسلوب الحياة (شيراز)، التي تعترف بأنها تحرص على عرض «نمط حياتها فقط لا حياتها بأكملها». فهي تدرك أن مشاركة كل شاردة وواردة تمنح المتلقي وهماً بأحقية التدخل، ولذلك تحافظ على مساحة من الخصوصية. ومع ذلك، تؤكد شيراز أنها ليست بمنأى عن الأثر، فهي إنسان في النهاية، وتدرك تماماً متى تسحب نفسها من دوامة المقارنة قبل أن تلتهم روحها، محاولةً ألا تبني محتواها على أساس المثالية المطلقة.
من جانبها، تضيء الخبيرة في علم الاجتماع، الدكتورة عفاف بشري محمد عمر، على زاوية أكثر حساسية تمس فئة الشباب، مؤكدة أن الإنسان يمتلك بالفطرة دوافع سليمة للارتقاء بذاته وطلب العلم الحقيقي بعيداً عن الاستعراض الخارجي. غير أن هذا السعي الأصيل يتعرض لانحراف حاد بفعل خوارزميات المنصات؛ إذ يتحول الهدف البناء من تنمية القدرات إلى رغبة ملحة ومستميتة في محاكاة حياة المؤثرين المترفة. وهنا تفقد السلع قيمتها النفعية الصرفة، لتتحول إلى مجرد «رموز اجتماعية» تحدد من يستحق القبول ومن يُطرد من جنة الفضاء الرقمي.
العقل الباطن وبرمجة التكرار: صراع المرجعيات
وحين نغوص في دهاليز النفس البشرية، يوضح الأخصائي النفسي صالح عبد الله أن الخطورة الكامنة في وسائل التواصل لا تكمن في المشهد وحده، بل في شرطين أساسيين: الاستمرار اليومي والتكرار المتواصل. إن تكرار صور الرفاهية يمثل معبراً مباشراً لاختراق العقل الباطن وبرمجته، لاسيما وأن البشر لا يملكون الحصانة النفسية ذاتها.
وحين نغوص أكثر في تأثيرات هذا التكرار على الأرواح البشرية، يوضح الأخصائي النفسي صالح عبد الله أن الناس لا يتلقون هذه الصدمات البصرية بمسطرة واحدة؛ بل يتوزعون أمام مرآة الشاشة على صنفين متباينين:
فهناك أولئك الذين ألقوا مقودهم في أيدي غيرهم، وهم ذوو المرجعية الخارجية؛ الفئة الأكثر هشاشة وعرضة للرياح، الذين تقاس قيمتهم الذاتية بميزان نظرة الآخرين وصفقات إعجابهم بالخارج، فتهون عليهم الشباك، ويسهل جداً أن تتسلل إلى أعماقهم رغبات استهلاكية زائفة ومصطنعة، ليقنعوا أنفسهم يقيناً بأنها نبض أصيل لقلوبهم وحاجاتهم.
وعلى الضفة الأخرى، يقف ذوو المرجعية الداخلية، حصن النفس الأقل تأثراً وانجرافاً، أولئك الذين يستندون إلى بوصلة قيمية ذاتية صلبة وراسخة لا تهزها ريح الاستعراض. غير أن هذه الصلابة وحدها لا تكفي أمام طوفان الأيام؛ إذ يحذر صالح من أن التكرار المكثف طويل الأمد، حتى على هذه القلوب الحصينة، يترك بمرور الوقت ندوباً تراكمية خفية قد تتسلل شيئاً فشيئاً لتصدع ذلك الجدار المتين.
وهذا ما تؤكده دراسة أكاديمية صدرت في جامعة إيوا للسيدات بكوريا الجنوبية وشملت 619 مشاركاً حول فيديوهات فتح المنتجات (Unboxing)؛ حيث أثبتت أن تكرار المشاهدة يرتبط طردياً بزيادة المقارنة الاجتماعية، وتضخم النزعة المادية، وانخفاض تدريجي صامت في مستوى الرضا العام عن الحياة.
وجه العملة الاقتصادي: اقتصاد المبدعين وهشاشة القمة
وإذا تركنا النفس البشرية وعدنا إلى أرض الواقع المادي، يفتح الدكتور عبد الحميد إلياس، المتخصص في الاقتصاد التنموي بمعهد الدراسات والبحوث الإنمائية بجامعة الخرطوم، الباب على قراءة مزدوجة لاقتصاد المؤثرين ومحتوى الرفاهية.
فهذا القطاع يحمل وجهاً مشرقاً يُعرف بـ «اقتصاد المبدعين»؛ إذ ينشط حركة التجزئة، ويحفز السياحة، ويوفر مسارات مهنية مرنة تكسر حواجز سوق العمل التقليدي أمام الشباب والنساء. لكنه في المقابل يحمل وجهاً مظلماً تتجلى فيه الهشاشة الهيكلية؛ فهو يحفز الاستهلاك الظاهري والإنفاق فوق الطاقات الفعلية، مما يغذي ديون الأفراد ويضعف مدخراتهم. والأخطر من ذلك، كما توضح ورقة بحثية لكلية لندن الجامعية (UCL, 2025)، أن أرباح هذا القطاع شديدة التركز في القمة لصالح قلة قليلة، بينما تتأرجح أغلبية المبدعين على حافة الاستقرار بفعل تقلبات الخوارزميات وغياب الحماية التعاقدية.
الحرمان النسبي وذوبان الخصوصية في مهب الاستهلاك
تستأنف الدكتورة عفاف بشري تحليلها السيكولوجي محذرة من فخ «الحرمان النسبي»؛ فعندما يتعرض الفرد باستمرار لصور الحياة الخارقة، يتولد لديه شعور خفي بأن حياته الواقعية العادية ناقصة، فيستبدل تقديره الحقيقي لذاته بمقارنة بائسة مع من هم على الشاشة.
وتتطابق هذه الرؤية مع دراسة صينية حديثة نُشرت عام 2023 وشملت 568 طالباً جامعياً، كشفت أن المقارنة الصاعدة على منصات التواصل ترتبط بشكل وثيق بالشراء القهري عبر الإنترنت، وأن شعوري المادية والحسد هما المحركان الخفيان لهذا السلوك. وفي خضم هذا كله، يتنازل الناس تدريجياً عن خصوصياتهم طمعاً في قبضة إعجاب وهمية، ليتحول سلم القيم الإنسانية تدريجياً نحو تقديس الاستهلاك على حساب الإنتاج الحقيقي.
بين ضفة الميدان والوعي الخفي للمتابعين
وفي قلب هذا الصخب، تعود صانعة المحتوى (شيراز) لتؤكد أن ما تقدمه هو جانب حقيقي ممتع من يومها دون زيف، مشيرة إلى وصول رسائل كثيرة تؤكد تحفيز المتابعين على القراءة وممارسة الرياضة. لكنها في الوقت ذاته تقف باحترام أمام التحديات الاقتصادية لجمهورها قائلة:
"إنه لمن دواعي حرصي أن تجعلني هذه النقطة أحياناً لا أنشر عن شيء معين مراعاة للوضع الاقتصادي، ولكن في نفس الوقت هذا جزء من عملنا أن نعرض أموراً مختلفة، فأحاول قدر الإمكان التوازن بين الأمرين".
وتختتم شيراز شهادتها بتحذير بالغ الأهمية من خطورة هذه المنصات المفتوحة على الفئات العمرية الصغيرة التي تفتقر إلى الخبرة الميدانية لفرز الغث من السمين.
ولكن المثير للاهتمام أن الاستطلاع الميداني الاستكشافي الذي أُجري على 29 مشاركاً (تتركز أعمارهم بين 25 و34 عاماً) أظهر وعياً مجتمعياً يفوق التوقعات السلبية؛ إذ أكد 18 مشاركاً أنهم يتابعون هذا المحتوى لكنهم لا يرون فيه صورة واقعية للحياة. وتصدر «الترفيه» دوافع المتابعة، بينما تراجع «امتلاك المنتجات الفاخرة» إلى المرتبة الأخيرة في تشكيل مفهومهم للرفاهية، لصالح «الأفكار والنصائح العملية». وكأن الجمهور -رغم شغفه بالمتابعة- يحتفظ بمسافة أمان من الشك والوعي النقدي.
خلاصة المشهد: نحو وعي رقمي متززن
إن رحلة الروتين اليومي عبر الشاشات ليست خطراً دموياً ولا إلهاماً مقدساً؛ فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الصور بذاتها، بل في تكرارها المتواتر، وأساليب استقبالنا لها، وفي غياب البوصلة النقدية.
ولكي لا نسقط رهائن في فخ المقارنة القهرية والتقزيم الذاتي، فإن المخرج الحقيقي يكمن في خطة عمل واعية: أن نحدد غايتنا قبل أن نفتح التطبيقات، وأن نميز بوعي بين طموحنا المشروع لتطوير الذات وبين الانسياق وراء الاستهلاك المظهري، وأن نبني قيمنا وتقديرنا لأنفسنا على أساس الإنتاج، والمعرفة، والاستقرار المالي الحقيقي، بعيداً عن أضواء المسرح الافتراضي.
ثقافة
الرفاهية على الشاشة: صناعة المحتوى بين طموح الإلهام ومعادلة الوعي الرقمي