الحلقة السابعة: حين اكتشفوا أن المناخ لا يعمل وحده
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية والعلمية والجغرافية فتستند إلى الواقع.
لم يكن اجتماعهم في تلك الأمسية من عام 2018 يشبه اجتماعاتهم القديمة في جوبا. لم تعد حقائبهم تحمل الكتب المدرسية، ولم تعد أسئلتهم تبدأ من المطر الذي سقط فوق المدرسة. أصبح لكل واحد منهم أوراقه وملاحظاته وتجربته الخاصة، لكن الغريب أن الطرق التي أخذتهم بعيدًا عن بعضهم كانت تعيدهم دائمًا إلى السؤال نفسه.
كانوا قد جلسوا حول طاولة صغيرة في أحد المكاتب التي اعتاد والد إستيلا المرور بها بحكم عمله الإنساني. على الطاولة خريطة كبيرة لأفريقيا، وإلى جانبها خريطة للعالم، وعدد من التقارير التي جمعوها خلال السنوات الماضية.
قال سامر وهو يشير إلى الخريطة: «كلما درست الماء أكثر، اكتشفت أن المشكلة ليست في الماء وحده.»
ابتسمت سلمى.
قالت: «وأنا كلما درست الأرض، اكتشفت أن المشكلة ليست في الأرض وحدها.»
ضحكت مريم وقالت: «وأنا البحر.»
رفع ليو يده كأنه يريد أن يكمل الجملة: «والغابة.»
أما إستيلا فقالت: «والناس.»
نظر الأربعة إليها.
قالت: «أنتم تتحدثون عن الأشياء التي تتغير. أنا أفكر في الناس الذين يعيشون وسط هذا التغير.»
لم يكن في كلامها شيء جديد بالنسبة إليهم، لكنهم كانوا قد وصلوا الآن إلى العمر الذي يجعل الجملة البسيطة تحمل وراءها سنوات من التجربة.
أخرج سامر ورقة أخرى.
قال: «إذن علينا أن نفهم الصورة كاملة.»
---
بدأت الصورة بالنسبة إليهم من المؤسسات.
كانوا قد عرفوا في دراستهم أن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ليست مجرد جهة تتحدث عن الطقس، وأن برنامج الأمم المتحدة للبيئة ليس مؤسسة بيئية منفصلة عن بقية العالم، وأن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لم تُنشأ لتكون جامعة أو مركز أبحاث عاديًا، بل لتقييم المعرفة العلمية المتاحة حول تغير المناخ وآثاره ومخاطره وخيارات الاستجابة.
قال ليو: «إذن العلم موجود، والمؤسسات موجودة، والاتفاقيات موجودة. لماذا تبدو المشكلة أكبر كل سنة؟»
أجاب سامر: «لأن المناخ لا ينتظر المؤسسات.»
لم يكن يريد أن يكون ساخرًا.
كان يقصد شيئًا آخر.
فالغلاف الجوي لا يتوقف أثناء انعقاد مؤتمر، والنهر لا ينتظر انتهاء المفاوضات، والغابة لا تعرف حدود الدول، والجفاف لا يقرأ نصوص الاتفاقيات.
كانت تلك الفكرة هي التي دفعتهم إلى النظر إلى مؤسسات أخرى.
ظهر أمامهم اسم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
قالت سلمى: «هذه تخصني.»
سألها سامر: «لماذا؟»
قالت: «لأنني من الأبيض.»
ثم أضافت وهي تنظر إلى الخريطة: «الأرض التي تتدهور لا تصبح مشكلة مناخية فقط. يمكن أن تتراجع إنتاجيتها، وتضعف المراعي، وتتأثر الزراعة، ويصبح الناس أكثر هشاشة أمام الجفاف.»
كان ليو يقلب الصفحات.
قال: «لكن التصحر ليس هو تغير المناخ.»
أجابته سلمى: «بالضبط.»
رفعت مريم رأسها.
«وهذا هو الشيء الذي بدأنا نفهمه الآن. ليست كل مشكلة بيئية هي تغير مناخ، لكنها قد تتفاعل معه.»
أومأت إستيلا.
قالت: «مثل الإنسان. قد يكون مريضًا أصلًا، ثم تأتي أزمة أخرى فتجعله أضعف.»
ساد الصمت لحظة.
كانت هذه المرة إستيلا هي التي وجدت التشبيه المناسب.
---
بعد ذلك جاء اسم آخر: اتفاقية التنوع البيولوجي.
لم يفهم سامر في البداية لماذا يحتاج تغير المناخ إلى اتفاقية تتحدث عن الكائنات الحية.
قال ليو: «لأن الغابة ليست كربونًا فقط.»
فتح الخريطة على صورة للأمازون.
«هذه الأشجار موطن لحيوانات ونباتات وكائنات لا نراها في كل مكان. إذا فقدنا الغابة، فنحن لا نخسر فقط قدرة على تخزين الكربون.»
قالت مريم: «نخسر نظامًا بيئيًا.»
قال ليو: «بالضبط.»
ثم بدأ يشرح لهم كيف ترتبط الغابات بالماء، والتربة، والتنوع الحيوي، ودورة الكربون، وكيف يمكن أن يؤدي تدهور النظم البيئية إلى تقليل قدرتها على مقاومة الصدمات المناخية.
قال سامر: «إذن عندما نتحدث عن حماية المناخ، لا يكفي أن نزرع الأشجار.»
ابتسم ليو.
«أخيرًا فهمتها.»
اعترضت سلمى: «لا تستهينوا بزراعة الأشجار.»
قال ليو: «لا أستهين بها. لكن الشجرة وحدها ليست نظامًا بيئيًا.»
ثم أضاف: «وإذا قطعنا الغابة وأحرقنا الوقود الأحفوري، فلا يمكن أن نقول إن زراعة بعض الأشجار ستعيد كل شيء إلى مكانه.»
كانت الجملة بسيطة، لكنها أصبحت واحدة من أهم الأفكار التي اتفقوا عليها.
حماية الطبيعة جزء من الحل المناخي، لكنها لا تلغي ضرورة خفض الانبعاثات.
---
وفي العام نفسه، بدأت أخبار أخرى تصل من مناطق مختلفة من العالم.
لم تكن كلها كوارث ضخمة تظهر في نشرات الأخبار العالمية.
كانت هناك قرى تتغير فيها مواسم الزراعة، ومناطق تعاني من الحرارة، ومجتمعات ساحلية تواجه تآكل الشواطئ، ومزارعون يحاولون التكيف مع مواسم لم تعد تشبه ما اعتادوه.
قالت مريم ذات مساء: «أحيانًا لا تبدأ الكارثة عندما يموت الناس.»
سألها سامر: «متى تبدأ إذن؟»
قالت: «عندما تبدأ الحياة الطبيعية في التراجع.»
لم يفهمها تمامًا.
فأكملت: «عندما يصبح المزارع غير قادر على معرفة موعد الزراعة، أو عندما يضطر الصياد إلى الذهاب أبعد للحصول على السمك، أو عندما تضطر الأسرة إلى إنفاق معظم دخلها على الغذاء والماء. قد لا تكون هناك صورة واحدة لكارثة كبيرة، لكن الناس يعيشون الخسارة يومًا بعد يوم.»
قالت إستيلا: «وهذا أصعب أحيانًا من الكارثة التي لها يوم محدد.»
نظروا إليها.
قالت: «لأنك تستطيع أن تقول: حدث الفيضان يوم كذا. لكن كيف تحدد اليوم الذي بدأت فيه حياة أسرة تتغير؟»
لم يجدوا جوابًا.
---
بعد أسابيع، جاءت إستيلا بخبر من عملها التدريبي.
قالت: «هناك شيء يجب أن ندرسه.»
سأل سامر: «ماذا؟»
وضعت أمامهم تقريرًا عن العمل الإنساني.
«المنظمات الإنسانية بدأت تتحدث أكثر عن مخاطر المناخ في التخطيط.»
قالت سلمى: «طبيعي.»
لكن إستيلا هزت رأسها.
«ليس طبيعيًا كما تتصورين. في السابق كان السؤال: ماذا سنفعل إذا حدثت أزمة؟ الآن أصبح السؤال أيضًا: كيف يمكن أن نعرف مسبقًا أين ستكون المخاطر أكبر؟»
قال سامر: «الإنذار المبكر.»
قالت: «نعم. لكن ليس الإنذار وحده.»
بدأت تشرح لهم أن نظام الإنذار المبكر لا ينقذ الناس إذا لم تصل المعلومة إليهم، وإذا لم يفهموها، وإذا لم تكن لديهم وسيلة للتحرك، وإذا لم توجد خطة استجابة.
قالت مريم: «إذن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.»
«ولا المال وحده.»
قال سامر: «ولا العلم وحده.»
نظرت إليهم إستيلا وقالت:
«لأن الكارثة في النهاية تحدث للناس.»
كانت تلك الجملة هي التي جعلت سامر يكتب في دفتره:
الخطر لا يصبح كارثة بالطريقة نفسها في كل مكان.
---
ثم بدأت الخريطة أمامهم تتغير.
لم يعودوا يرون الحدود السياسية وحدها.
رأوا حزامًا من الجفاف في منطقة الساحل.
رأوا مناطق معرضة للفيضانات.
رأوا المدن الساحلية.
رأوا الأمازون.
رأوا النيل.
رأوا مناطق الزراعة والرعي.
ثم أدركوا أن المؤسسات التي كانوا يدرسونها لم تكن جزرًا منفصلة.
فـUNFCCC تتعامل مع تغير المناخ.
وIPCC يقيّم العلم.
وWMO تنتج وتنسق المعرفة المتعلقة بالطقس والمناخ والمياه والغلاف الجوي.
وUNEP يعمل في نطاق البيئة العالمي.
وUNCCD تركز على التصحر وتدهور الأراضي والجفاف.
وCBD تحمي التنوع البيولوجي.
وتدخل الزراعة والغذاء والمياه والعمل الإنساني في الصورة من خلال مؤسسات وبرامج أخرى.
قال ليو: «لقد كنا نبحث عن مؤسسة واحدة للمناخ.»
قالت سلمى: «ولا توجد.»
قال سامر: «لأن المناخ نفسه ليس قضية واحدة.»
أجابته مريم: «إنه شبكة.»
أما إستيلا فقالت:
«شبكة نعيش داخلها.»
---
وفي نهاية ذلك اليوم، أخرج سامر خريطة صغيرة كان قد رسم عليها خطوطًا بألوان مختلفة.
قال: «انظروا.»
اقتربوا.
كان قد رسم خطًا من الغابة إلى المطر، ومن المطر إلى النهر، ومن النهر إلى الزراعة، ومن الزراعة إلى الغذاء، ومن الغذاء إلى الناس.
ثم أضاف خطًا آخر من الحرارة إلى الجفاف، ومن الجفاف إلى المراعي، ومن المراعي إلى الثروة الحيوانية، ومن الثروة الحيوانية إلى دخل الأسرة.
ثم خطًا ثالثًا من البحر إلى المدينة، ومن المدينة إلى البنية التحتية، ومن الخطر إلى النزوح.
قال: «إذا تغير شيء واحد، يمكن أن يتحرك كل شيء معه.»
سأل ليو: «وهل نستطيع أن نوقف ذلك؟»
ظل سامر ينظر إلى الخريطة.
ثم قال:
«ربما لا نستطيع إيقاف تغير المناخ بالكامل الآن، لكن يمكننا تقليل أسبابه، والاستعداد لآثاره، وحماية الناس والطبيعة، ومساعدة المجتمعات على التكيف.»
قالت سلمى: «وهذا هو الفرق بين التخفيف والتكيف.»
أومأ.
«التخفيف يحاول أن يقلل المشكلة من مصدرها.»
وأضافت مريم:
«والتكيف يحاول أن يجعلنا أقل تعرضًا لآثارها.»
قال ليو: «لكن ماذا عن الأشياء التي لا يمكن التكيف معها؟»
لم يجب أحد فورًا.
كانت إستيلا أول من تكلم.
«ربما هناك أشياء نخسرها رغم كل ما نفعله.»
ثم أضافت:
«ومن يخسرها؟»
نظر الأربعة إليها.
كان السؤال أكبر من الغرفة.
وأكبر من اتفاق باريس.
وأكبر من الخرائط التي أمامهم.
في تلك الليلة، أدرك الخمسة أن المناخ لم يعد بالنسبة لهم علمًا يدرسونه، ولا اتفاقيات يحفظون تواريخها، ولا كوارث يشاهدون صورها في الأخبار.
لقد أصبح سؤالًا عن العدالة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ طريق جديد في قصتهم؛ طريق سيقودهم إلى قاعات المؤتمرات، وإلى الدول التي تتفاوض على الأرقام، وإلى المجتمعات التي تعيش النتائج قبل أن تصل الكلمات إلى الورق.
لكنهم لم يكونوا يعرفون بعد أن السؤال القادم سيكون أصعب:
إذا كان الجميع متأثرًا بتغير المناخ، فلماذا لا يتحمل الجميع المسؤولية نفسها؟
بيئة
الحلقة السابعة: خمسة أطفال والمناخ سادسهم